تحمل نتائج الدراسة التي كشفت عنها جمعية “المواطنون”، رسالة واضحة إلى الأحزاب السياسية، مفادها أن تقييم أدائها خلال انتخابات 2026 سيرتبط أساسًا بمدى قدرتها على تقديم حلول وبرامج مقنعة في مجالات التعليم والصحة والتشغيل، أكثر من ارتباطه بالنقاشات العامة أو بالشعارات المرتبطة بالحكامة والسياسة، فضلا عن اعتماد الشفافية وضمان نزاهة الانتخابات.
ولعل المثير في هذه الدراسة أن الفئة العمرية أقل من 30 عاما تبدو أكثر استعدادا للمشاركة في عملية التصويت مقارنة مع باقي الفئات، رغم تشكيك البعض في مدى نزاهتها أو مصداقيتها. وفيما يلي أبرز الأرقام والمؤشرات التي كشفتها هذه الدراسة.
24.1″% من المواطنين صرحوا بأن لا شيء سيقنعهم بالتصويت خلال انتخابات 23 شتنبر المقبل، فيما 41.3% أفادوا بمقاطعتهم للانتخابات السابقة التي جرت عام 2021”. هذه أبرز الأرقام التي خرجت بها الدراسة التي قامت بها جمعية “المواطنون” في إطار ما سمته “مقاهي المواطنة” وشارك فيها حوالي 3000 مواطن ومواطنة بالجهات الـ12، معبرين عن آرائهم بخصوص: كيف ينظرون للانتخابات القادمة، سواء من حيث تصوراتهم للمؤسسات المنتخبة أو علاقتهم بالسياسة.
العينة التي شاركت في الدراسة أغلبها من الفئات الشابة والنشطة، حيث شكلت الفئة العمرية ما بين 18 و24 سنة حوالي 21.7%، فيما الفئة ما بين 25 و29 سنة، حوالي 25.5%، وما بين 30 و35 سنة، حوالي 27.8%، لتشكل الفئة العمرية فوق 35 عاما نسبة 24.3%، علما أن الذكور شكلوا 79.7%، مقابل 20.3% للإناث، فيما تركزت الأغلبية في المجال الحضري بنسبة 83.2%، مقابل 12% في شبه الحضري و4.8% في القروي. كما أن أغلب المشاركين يتمتعون بمستويات تعليمية مرتفعة ودخل متوسط أو عالٍ.
وأشارت مخرجات هذه الدراسة إلى أن النتائج التي تم التوصل إليها تكشف صورة تتسم بدرجة لافتة من الاتساق، حيث عبر غالبية المستجوبين بأن التصويت لا زال واجبا مواطنا مهما، بنسبة 66.6%، لكن مع ذلك لم يصرح سوى 13.6% بكون نتائج الانتخابات التي جرت عام 2021 كانت ذات مصداقية.
تناقض يظهر بوضوح، عبر مختلف المؤشرات التي أفرزتها الدراسة، حيث أن هناك إيمانا بالديمقراطية، لكن المواطنين في نفس الوقت، أصبحوا أقل ثقة في الفاعل السياسي والمساطر والمؤسسات التي يفترض أن تجسد هذه الديمقراطية على أرض الواقع، فضلا عن وجود أزمة ثقة في كيفية اشتغال المنظومة أكثر مما هي تعبير عن رفض المشاركة.
فالتحدي الذي كشفته الدراسة، لا يكمن في غياب الاهتمام بالشأن العام، بل في تحويل هذا الاهتمام إلى مشاركة فعلية ومستدامة، مع معالجة الاختلالات المرتبطة بالعمر والنوع الاجتماعي والولوج إلى الحقوق السياسية. فالمستجوبين لا يرفضون السياسة في حد ذاتها، بل يقدمون مطالب واضحة تحدد أولوياتهم، مثل ضمان نزاهة الانتخابات (47.5%)، وتقديم برامج سياسية مفهومة (42.9%)، وإتاحة فرص أكبر للشباب (40.6%)، وتعزيز الشفافية في تمويل الأحزاب (39.7%)، وتوفير معلومات واضحة وميسّرة حول العملية الانتخابية (37.7%)، لكن مع ذلك فقد صرح 24.1% من المستجوبين بأن أي عامل من العوامل المقترحة لن يكون كافيًا لإقناعهم بالتصويت، وهو ما يمثل النواة الصلبة للعزوف الانتخابي ومصدرًا رئيسيًا للمخاطر المرتبطة بالمشاركة السياسية مستقبلًا، حيث تصبح شرعية المنظومة السياسية موضع تساؤل يتجاوز قدرة أدوات التعبئة التقليدية على الاستجابة له أو معالجته، تؤكد ذات الدراسة.
وتؤكد الدراسة أن المطالب التي وضعها المستجوبون للمشاركة السياسية ليست عشوائية أو غامضة، بل هي محددة ومنظمة ومرتبة حسب الأولوية. ويمكن ترجمتها إلى إصلاحات وإجراءات عملية من شأنها تعزيز الثقة وتحسين جودة الحياة الديمقراطية. فرغم ضيق الوقت الفاصل عن الاستحقاقات المقبلة، فإن إمكانية التأثير ما تزال قائمة. فالإجراءات التي أبرزتها الدراسة توفر فرصة حقيقية لتحويل جزء من العزوف المعلن إلى مشاركة فعلية، شرط تفعيلها في الوقت المناسب وبالفعالية المطلوبة، في ظل استمرار وجود أسئلة مطروحة من قبيل: ما طبيعة العلاقة بين المواطنين والعملية الانتخابية؟ وهل تعكس مقاطعة انتخابات 2021 عزوفًا عن السياسة أم موقفًا نقديًا من المنظومة القائمة؟ وما الشروط الضرورية لتحويل التعبئة القانونية والمؤسساتية إلى مشاركة فعلية؟ وكيف تنظر الفئات الأكثر أهمية، مثل الشباب والنساء والطبقات الوسطى الحضرية، إلى هذه الاستحقاقات المقبلة؟
وفي ردهم على بعض الأسئلة المطروحة تم الخروج بعدد من الأرقام التي يمكن من خلالها معرفة وجهة نظر الناخبين خلال عدد من المؤشرات، والتي يمكن إجمال بعضها فيما يلي:
– مصداقية الانتخابات: 15.3% فقط منحوا تقييمًا مرتفعًا، مقابل 56.3% منحوا أدنى التقييمات.
– الثقة في المؤسسات العمومية: 66.1% منحوا تقييمًا منخفضًا، مقابل 8.3% فقط اعتبروها جديرة بالثقة.
– مكانة الشباب في السياسة: 86.7% اعتبروا أن مكانتهم ضعيفة أو ضعيفة جدًا، مقابل 2.2% فقط رأوا أنها مرضية.
– الأحزاب السياسية:أكثر من 88% يرون أنها لا تهتم بانشغالات المواطنين، و90.4% يعتبرون المنتخبين غير ملتزمين بوعودهم.
كما أظهرت النتائج ضعف التواصل الحزبي، حيث حصل على معدل 1.32 من 5، وأكد 79.5% من المشاركين أنهم لا تربطهم أي علاقة أو تواصل مع الأحزاب.
أما بخصوص نوايا التصويت، فقد عبر 42.3% من المستجوبين بأن لديهم توجه إيجابي نحو المشاركة (27.9% سيصوتون بالتأكيد، و14.4% على الأرجح)، فيما 38.6% لديهم توجه سلبي أكد حوالي 21.1% منهم أنهم لن يصوتوا، فيما يوجد 17.5% منهم في المنطقة المتأرجحة التي تميل إلى عدم المشاركة، فيما 19.1% مترددون ولم يحسموا موقفهم بعد.
حسب الدراسة، ومن خلال هذه المؤشرات، فإن الكتلة الانتخابية القابلة للتعبئة أساسًا توجد داخل فئتين رئيسيتين: فئة المترددين (19.1%) التي تشكل الهدف التقليدي للحملات الانتخابية، وفئة الذين صرحوا بأنهم “على الأرجح لن يصوتوا” (17.5%)، وهي الفئة التي قد تغيّر موقفها إذا تمت الاستجابة للشروط والمتطلبات التي يعتبرونها ضرورية للمشاركة.
