على مدى ستة وعشرين عاما من حكم صاحب الجلالة الملك محمد السادس، شهدت المنظومة المينائية المغربية تحولا غير مسبوق، جعل من المملكة أحد أبرز المراكز اللوجستية والتجارية في إفريقيا وحوض البحر الأبيض المتوسط، بفضل رؤية استراتيجية اعتمدت الاستثمار في البنيات التحتية الكبرى وربطها بالتنمية الاقتصادية والانفتاح على الأسواق العالمية.
وتجسد هذه الرؤية في إطلاق مشاريع مينائية عملاقة، يتقدمها ميناء طنجة المتوسط وميناء الداخلة الأطلسي وميناء الناظور غرب المتوسط، وهي مشاريع شكلت ركيزة أساسية لتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني، وترسيخ موقع المغرب كحلقة وصل بين أوروبا وإفريقيا والأمريكيتين.
ويعد مشروع ميناء طنجة المتوسط، الذي أعطى جلالة الملك انطلاقة أشغاله في 17 نونبر 2003، نقطة الانطلاق الفعلية لهذا التحول، حيث تحول منذ دخوله الخدمة سنة 2007 إلى أحد أهم موانئ الحاويات في العالم، مستفيدا من بنيات تحتية حديثة ومنطقة اقتصادية متكاملة تمتد على أكثر من خمسة آلاف هكتار.
وفي تأكيد على مكانته الدولية، احتل الميناء المرتبة السادسة عالميا في مؤشر أداء موانئ الحاويات (CPPI) لسنة 2026، ليواصل تعزيز ريادة المغرب في قطاع النقل البحري واللوجستيك.
وفي الأقاليم الجنوبية، يمثل ميناء الداخلة الأطلسي أحد أبرز المشاريع الاستراتيجية التي تندرج ضمن النموذج التنموي الجديد، باستثمارات تناهز 13 مليار درهم. ويهدف المشروع إلى تحويل الواجهة الأطلسية للمملكة إلى منصة اقتصادية منفتحة على العمق الإفريقي، انسجاما مع المبادرة الملكية لتمكين دول الساحل من الولوج إلى المحيط الأطلسي.
كما يضم الميناء منصات مخصصة للصناعات البحرية والتجارة الدولية والطاقات المتجددة، فيما بلغت نسبة إنجاز أشغاله نحو 64 في المائة، مع برمجة دخوله حيز الاستغلال سنة 2029.
من جانبه، يشكل ميناء الناظور غرب المتوسط ركيزة جديدة في الاستراتيجية المينائية للمملكة، حيث يجمع بين الوظائف الصناعية واللوجستية والطاقية، ويضم أول محطة للغاز الطبيعي المسال بالمغرب، إلى جانب محطة للمحروقات ومناطق صناعية وتجارية متطورة.
ومن المنتظر أن يدخل المشروع مرحلة الاستغلال أواخر سنة 2026، بما سيسهم في إحداث دينامية اقتصادية بجهة الشرق، وتعزيز الأمن الطاقي، واستقطاب استثمارات صناعية ولوجستية جديدة.
وتعكس هذه المشاريع رؤية ملكية متكاملة تجعل من الموانئ محركات للتنمية الاقتصادية، وليس مجرد منشآت للنقل البحري، إذ جرى ربطها بشبكات الطرق والسكك الحديدية والمناطق الصناعية واللوجستية، بما يعزز سلاسل القيمة الوطنية، ويوفر آلاف فرص الشغل، ويرفع من جاذبية المغرب للاستثمارات الأجنبية.
وبفضل هذه الاستراتيجية، رسخ المغرب مكانته كقوة بحرية ولوجستية صاعدة، مستندا إلى منظومة مينائية حديثة تدعم السيادة الاقتصادية، وتعزز اندماجه في سلاسل التجارة العالمية، وتكرس دوره بوابة رئيسية للتبادل التجاري بين إفريقيا وأوروبا، في إطار رؤية تنموية طويلة المدى يقودها صاحب الجلالة الملك محمد السادس.
