تواصل مجموعة “أوياك” الصناعية التركية تعزيز حضورها في المغرب، الذي بات يشكل بالنسبة إليها منصة استراتيجية للولوج إلى الأسواق الإفريقية، مستفيدة في ذلك من الموقع الاستراتيجي لميناء طنجة المتوسط وتطور قطاعي السيارات والخدمات اللوجستية بالمملكة.
وتعتمد شركة “أومسان” اللوجستية، التابعة للمجموعة التركية، بشكل متزايد على ميناء طنجة المتوسط لنقل السيارات والبضائع نحو مختلف الأسواق الإفريقية، ولا سيما في شمال وغرب القارة، إلى جانب ربط هذه الأسواق بأوروبا وتركيا.
وأكد رئيس شركة «أومسان»، إرغون أريبورنو، أن المغرب يمثل «إحدى الدول الإفريقية الرئيسية» التي تتيح للشركة الوصول إلى الأسواق بالقارة، مشيراً إلى أن «أومسان» كانت أول شركة لوجستية تستقر داخل ميناء طنجة المتوسط وتفتتح مستودعات به.
وأوضح المسؤول التركي أن الشركة تمكنت بفضل استثماراتها في المغرب من تحقيق «ريادة واضحة في مجال الخدمات اللوجستية للسيارات في المغرب وإفريقيا»، في وقت تتجه فيه المجموعة إلى توسيع حضورها خارج السوق التركية.
وقال أريبورنو: «رؤيتنا تتمثل في تحقيق حضور عالمي»، مضيفاً أن المجموعة «عززت استثماراتها في المغرب من أجل الوصول إلى السوق الإفريقية انطلاقاً من المملكة».
ويشكل ميناء طنجة المتوسط محوراً أساسياً في هذه الاستراتيجية، بالنظر إلى قدراته اللوجستية وموقعه عند ملتقى طرق التجارة بين أوروبا وإفريقيا والبحر الأبيض المتوسط.
وتصل طاقته الاستيعابية إلى أكثر من 9 ملايين حاوية نمطية سنوياً، كما يضم محطات متخصصة في مناولة المركبات بنظام «رورو»، ويعالج ملايين السيارات وملايين الأطنان من البضائع سنوياً.
وتستفيد «أومسان» من هذه البنية التحتية لتخزين السيارات ومناولتها وشحنها، إلى جانب قطع الغيار، بين أوروبا وتركيا والأسواق الإفريقية، بما يسمح لها بإدارة جزء مهم من عملياتها انطلاقاً من المغرب بدلاً من الاعتماد حصراً على مراكزها في تركيا.
صناعة السيارات تعزز جاذبية طنجة المتوسط
وتأتي هذه الاستراتيجية في سياق النمو المتواصل لصناعة السيارات بالمغرب، التي أصبحت أحد أبرز محركات الاقتصاد الصناعي للمملكة، بفضل حضور شركات عالمية كبرى، من بينها «رينو» في طنجة و«ستيلانتيس» في القنيطرة.
ويمنح هذا التطور شركات الخدمات اللوجستية، وفي مقدمتها «أومسان»، فرصاً جديدة لمواكبة تدفقات السيارات وقطع الغيار بين المصانع المغربية والأسواق الأوروبية والإفريقية.
ويرى مسؤولو الشركة التركية أن موقع طنجة المتوسط يوفر ميزة إضافية تتمثل في الجمع بين القرب من الأسواق الأوروبية وإمكانية الوصول بسهولة إلى الأسواق الإفريقية، ما يعزز دور المغرب كحلقة وصل بين القارتين.
البحث عن طرق تجارية أكثر أمناً
ولا تقتصر استراتيجية «أومسان» على الاستفادة من الموقع الجغرافي للمغرب، بل ترتبط أيضاً بالتغيرات التي يشهدها قطاع النقل والتجارة العالميان، في ظل تصاعد المخاطر الجيوسياسية والاضطرابات التي تؤثر على بعض الممرات البحرية الرئيسية.
وقال أريبورنو إن نحو 90 في المائة من التجارة العالمية تتم عبر البحر، مشيراً إلى أن الأزمات والنزاعات الأخيرة دفعت الشركات إلى البحث عن مسارات أكثر أمناً واستقراراً.
وأضاف: «التجارة تبحث، قبل كل شيء، عن ملاذ آمن»، موضحاً أن «مضيق هرمز اليوم، وقد تكون قناة السويس أو قناة بنما غداً» عرضة لمخاطر تؤثر على حركة التجارة العالمية.
وفي هذا السياق، تعمل تركيا على تطوير مجموعة من مشاريع النقل والممرات التجارية البديلة، من بينها «الممر الأوسط» الذي يربط الصين بأوروبا عبر آسيا الوسطى وتركيا، إلى جانب مشروع «ممر زنغزور»، وإحياء خط سكة حديد الحجاز، فضلاً عن مشروع نفق وطريق «دورت يول-هاسا» الذي يربط المراكز الصناعية التركية بميناء إسكندرون على البحر المتوسط.
وتقوم الرؤية على نقل البضائع براً إلى الموانئ التركية، قبل شحنها بحراً إلى طنجة المتوسط، ومن ثم توزيعها على أسواق شمال وغرب إفريقيا، مع الحفاظ على اتصال وثيق بالأسواق الأوروبية.
وبحسب أريبورنو، فإن حجم التجارة المرتبطة بهذه الشبكات يتجاوز حالياً مليار دولار، ويمكن أن يتضاعف خلال السنوات العشر المقبلة، شريطة استكمال مشاريع السكك الحديدية والأنفاق والموانئ التي توجد قيد الإنجاز.
وأكد المسؤول التركي أن بعض هذه الاستثمارات «قد تستفيد منها الأجيال المقبلة»، في إشارة إلى الطابع الاستراتيجي طويل الأمد لهذه المشاريع.
وفي ختام حديثه، شدد أريبورنو على أن الكفاءات البشرية تظل من أبرز نقاط قوة الاقتصاد التركي، محذراً من أن فقدان اليد العاملة المؤهلة قد يضعف القدرة التنافسية للبلاد.
وقال إن تركيا قادرة على خدمة أسواق واسعة تمتد من أوروبا والقوقاز والدول الناطقة بالتركية إلى منطقة آسيا والمحيط الهادئ، في وقت تتزايد فيه أهمية تنويع طرق التجارة وسلاسل الإمداد العالمية.
