أشعل ارتفاع تكاليف المعيشة وتدهور الخدمات التعليمية وأزمة السكن موجة احتجاجات في فرنسا وإيطاليا وبلجيكا والبرتغال، امتدت أصداؤها إلى ألمانيا، خلال يومي 17 و18 أكتوبر 2026، وسط مواجهات عنيفة وتوقيفات بالآلاف، في تحركات تختلف أسبابها وحجمها بين بلد وآخر، لكنها تكشف تصاعد الغضب من السياسات الاقتصادية والاجتماعية للحكومات الأوروبية.
وتصدرت فرنسا المشهد بمشاركة ما لا يقل عن 550 ألف متظاهر وفق السلطات، قبل أن تتحول أجزاء من الاحتجاجات إلى أعمال عنف ونهب وإحراق مبان عامة، وفي المقابل شهدت إيطاليا وبلجيكا اشتباكات أمنية، بينما خرج عشرات الآلاف في البرتغال للمطالبة بأجور أفضل وسكن ميسر، مقابل تحركات محدودة نسبيا في ألمانيا تضامنا مع المحتجين الفرنسيين.
فرنسا.. أزمة المدارس تتحول إلى غضب شعبي واسع
شرارة الاحتجاجات الفرنسية بدأت من المؤسسات التعليمية في شتنبر الماضي، بعدما طالب تلاميذ وطلبة بمعالجة نقص المدرسين وتدهور تجهيزات المدارس والاكتظاظ، قبل أن تنضم النقابات وحركة السترات الصفراء إلى التحركات، موسعة المطالب لتشمل الأجور والمعاشات وأسعار الوقود وتقليص الإنفاق العام.
لكن مظاهرات السبت تحولت إلى أخطر امتحان أمني للحكومة الفرنسية منذ سنوات، بعدما شهدت باريس ومرسيليا وليون ومدن أخرى مواجهات ونهب متاجر، فيما تعرض مقر بلدية ليموج لحريق مدمر.
وأعلن وزير الداخلية لوران نونييز توقيف 2400 شخص وإصابة نحو 1000 عنصر أمني، بينما اتهمت الحكومة مجموعات من اليسار المتطرف وعناصر إجرامية باستغلال الاحتجاجات لتنفيذ أعمال العنف.
واختار الرئيس إيمانويل ماكرون عدم إعلان حالة الطوارئ، مع إقراره بمشروعية مطالب المتظاهرين السلميين، في وقت تضع فيه الاضطرابات حكومته أمام مواجهة اجتماعية وسياسية قبل الانتخابات الرئاسية المقررة في 2027.
إيطاليا وبلجيكا وألمانيا.. الاحتجاج ينتقل لكن حجمه يختلف
وفي إيطاليا، تحولت مظاهرات ضد الغلاء وتدهور الخدمات العامة إلى مواجهات مع الشرطة في ميلانو وبولونيا ومدن شمالية أخرى، حيث استخدمت قوات الأمن الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه.
وتجددت الاشتباكات الأحد وسط ميلانو، بعدما أوقفت السلطات 28 شخصا خلال اضطرابات السبت، واقتادت أكثر من 60 متظاهرا للتحقق من هوياتهم في اليوم التالي، وأدانت رئيسة الوزراء جورجا ميلوني أعمال العنف، معلنة اجتماعا حكوميا لبحث الأزمة.
وفي بلجيكا، خرج مئات الشباب في بروكسل احتجاجا على ارتفاع تكاليف التعليم وإصلاحات يخشون أن تقلص فرص الالتحاق بالجامعات، وشهدت مدينة لييج مواجهات أسفرت عن توقيف 45 شخصاً، بينهم 12 قاصرا.
أما ألمانيا، فلم تشهد تعبئة بحجم فرنسا، إذ تجمع نحو 300 شخص في برلين تضامنا مع الحركة الطلابية الفرنسية وللمطالبة بتحسين التعليم، وسط احتجاجات محلية بقيت محدودة نسبيا.
البرتغال.. أزمة السكن تكشف جذور الغضب الأوروبي
وفي البرتغال، خرج عشرات الآلاف إلى شوارع لشبونة احتجاجا على تراجع القدرة الشرائية واستفحال أزمة السكن، بدعوة من أكبر اتحاد نقابي في البلاد، بعدما أصبحت الأجور عاجزة عن مواكبة تكاليف الحياة.
وتكشف المؤشرات الاقتصادية حجم الضغوط، بعدما بلغ التضخم 3.6% في شتنبر، وارتفعت أسعار الوقود بنسبة 15% على أساس سنوي، بينما تضاعفت أسعار المنازل بأكثر من مرتين منذ 2017، واقتربت إيجارات العقود الجديدة من الضعف.
ورغم تصاعد الاحتجاجات، أكد وزير الشؤون البرلمانية البرتغالي كارلوس أبريو أموريم أن الحكومة لن ترضخ لضغوط الشارع، معتبرا أن إجراءات لمعالجة الأزمة دخلت بالفعل حيز التنفيذ.
وتكشف مقارنة التطورات في الدول الخمس أن أوروبا لا تواجه حتى الآن انتفاضة موحدة ذات قيادة مشتركة، بل احتجاجات مستقلة تتقاطع حول التعليم والسكن والأجور والإنفاق العام.
غير أن تزامن هذه التحركات يطرح اختبارا متزايدا للحكومات الأوروبية حول قدرتها على معالجة الضغوط الاقتصادية دون تعميق التوتر الاجتماعي، وعلى الفصل بين حماية الحق في التظاهر والتصدي لأعمال العنف، قبل أن تتحول الأزمات المعيشية إلى أزمات ثقة سياسية أوسع.
