يعيش قطاع النقل الدولي عبر القارات بالمغرب واحدة من أصعب مراحله، بعد أن تراكمت عليه عراقيل تنظيمية وتشريعية باتت تهدد استمراريته، بعدما أدى دخول نظام التأشيرات الإلكترونية الجديدة في فضاء “شنغن” حيز التنفيذ إلى تعقيد حركة المهنيين المغاربة، وزادت الغرامات الإسبانية القاسية المرتبطة بتجاوز سقف الوقود المحمول من معاناة سائقي الشاحنات، ما تسبب سلبا على تدفق البضائع بين المغرب وشركائه الأوروبيين.
ومع تزايد المعاناة اليومية لمهنيي النقل الدولي بالمغرب، بسبب الإكراهات المزدوجة المتمثلة في تأشيرات جديدة تقيد حركة التنقل داخل فضاء شنغن وغرامات أوروبية تثقل الجيوب، يعيش قطاع النقل الدولي بالمغرب حالة من التذمر والإحباط، بعدما تحولت رحلات السائقين إلى الأراضي الأوروبية إلى مغامرات محفوفة بالمخاطر الإدارية والمالية، إذ بدلا من أن يكون نظام التأشيرات الإلكترونية خطوة نحو تسهيل حركة العبور، وجد المهنيون أنفسهم أمام عراقيل جديدة تتسبب في شلل نسبي لحركة الشاحنات وتأخر في تسليم البضائع، وأدت إلى خسائر تنذر بعواقب وخيمة على الاقتصاد الوطني.
وأوضح عمار زغينو، رئيس الجمعية المغربية للنقل الطرقي الدولي (أميتري)، أن النظام الجديد للتأشيرات الإلكترونية الذي دخل حيز التنفيذ منتصف أكتوبر الجاري، أحدث ارتباكا حقيقيا في صفوف المهنيين، خاصة سائقي الشاحنات الذين يعتمدون على تأشيرات قصيرة الأمد (السياحة)، التي لا تسمح بالإقامة في دول شينغن أزيد من 90 يوما خلال ستة أشهر فقط.
وقال زغينو، إن نظام التأشيرات الإلكترونية الجديد بات يحتسب مدة تواجد السائقين في أوروبا على أنها إقامة طويلة، رغم أن التأشيرة الممنوحة لهم تمتد لسنتين أو أكثر، ما جعل العديد منهم مهددين برفض طلبات التجديد أو منعهم من دخول التراب الأوروبي، وهو وضع يعرقل حركة التجارة اللوجستية بين المغرب وشركائه الأوروبيين، ويهدد مئات المقاولات المغربية بالإفلاس، بالإضافة إلى أنه يقوض قدرة المملكة التنافسية في مجال النقل والتجارة اللوجستية عبر القارات.
وفي السياق ذاته، أوضح أحمد الغرابي، رئيس الجامعة الوطنية للنقل المتعدد الوسائط بالمغرب، أن السائقين المغاربة يعيشون وضع متأزما داخل الأراضي الاسبانية نتيجة لغرامات مجحفة تصل أحيانا إلى 900 أورو، بسبب تجاوز كمية الوقود المسموح بها في الخزانات سقف 200 لتر. معتبرا أن هذه التشريعات، التي تعود إلى تسعينات القرن الماضي، لم تعد ملائمة للتحولات التي عرفها قطاع النقل الدولي وارتفاع أسعار المحروقات، داعيا إلى مراجعتها بشكل عاجل عبر مفاوضات ثنائية تضمن العدالة وتكافؤ الفرص بين الشركات المغربية ونظيراتها الأوروبية.
وبخصوص التأشيرة الإلكترونية الجديدة، طالب الغرابي السلطات المغربية بفتح حوار عاجل مع الاتحاد الأوروبي، بهدف إقناعه بضرورة إحداث تأشيرة مهنية متعددة الدخول، تتناسب مع خصوصية النقل البري الدولي، وتمكن السائقين المغاربة من التنقل بشكل قانوني وآمن دون التعرض لمشاكل عند دخولهم أو مغادرتهم منطقة شنغن. ودعا إلى وضع شروط صارمة لتنظيم الولوج إلى القطاع، بما يضمن حماية المهنيين المغاربة من هيمنة المنافسة الأجنبية، خاصة الإسبانية، للحفاظ على التوازن بين مصالح الطرفين في إطار شراكة عادلة ومستدامة.
وأمام هذه التحديات المتراكمة، يجد قطاع النقل الدولي المغربي نفسه في مفترق طرق حاسم، بين الحفاظ على موقعه الحيوي داخل منظومة التجارة المتوسطية والأوروبية، أو الانزلاق نحو أزمة تهدد استمراريته بفعل التأشيرات الإلكترونية المعقدة، والغرامات الإسبانية القاسية، وغياب حلول مؤسساتية عاجلة.
المختار الرمشي (الصباح)
