اعتادت قاعة الجنايات الابتدائية بطنجة أن تكون مسرحا لأعتى الملفات ذات الامتداد الدولي بين المغرب وأوروبا. وكانت شاهدة قبل سنوات على ملف “مخلص” الشهير، أحد أضخم القضايا المافيوزية المرتبطة بتهريب السلاح والسطو على سيارات نقل الأموال، وبها أيضا حوكم الهولندي ذو الأصول المغربية “حمزة”، الذي توبع في قضية إطلاق النار بأمستردام ومصرع شخصين وإصابة آخرين، بالإضافة إلى عشرات الملفات المرتبطة بالاتجار الدولي في المخدرات، غير أن جلسة الثلاثاء الماضي، بدت مختلفة، لأن المتهم في هذه المرة ليس مجرما عاديا، بل نجم الراب العالمي، المعروف باسم “مايس”، وهو فرنسي من أصل مغربي، الذي وقف رفقة عشرة آخرين أمام تهم ثقيلة تتعلق بمحاولة الاختطاف والتصفية الجسدية والاتجار الدولي في المخدرات.
فلم يكن أحد يتوقع أن يتحول بلاغ بسيط عن عملية نصب واحتيال، اعتقل من أجلها رجل ستيني بمدينة البوغاز، إلى مدخل يقود الشرطة إلى دهاليز واحدة من أخطر الشبكات العابرة للحدود، بلغ عدد أفرادها 11 عنصرا، من بينهم اسم لم يكن في الحسبان: مغني الراب العالمي “مايس”، واسمه الحقيقي “وليد جورج”، الذي اعتقل بمطار الدار البيضاء فور نزوله من طائرة خاصة قادما من دبي، ووجهت له تهم إصدار أوامر باختطاف وتصفية أحد منافسيه بمراكش، بسبب خلافات ومواجهات عنيفة بينهما داخل الديار الفرنسية، ونزاع مالي ضخم تجاوز 800 ألف أورو، لتتحول القضية إلى ملف دولي تمتد خيوطه بين طنجة ومراكش وباريس ودبي.
بداية المحاكمة
بعد سقوط خيوط هذه الشبكة واحدة تلو الأخرى، أخذت القضية طريقها أخيرا إلى قاعة الجلسات رقم 3 بمحكمة الاستئناف بطنجة، التي امتلأت منذ الساعة التاسعة صباحا بوجوه متوترة أغلبهم عائلات ومعارف المتهمين الـ 11، بالإضافة إلى عدد من الصحافيين والمهتمين، الذين أبوا الحضور لمتابعة فصلول المحاكمة، إذ بمجرد الإعلان عن بداية البث في القضية عم صمت رهيب داخل القاعة وتسمرت عيون الحاضرين نحو الباب المخصصة لدخول المتهمين، الذين ولجوا القاعة تباعا بوجوه شاحبة سيطر عليها الخوف والترقب، كان في مقدمتهم الرابور العالمي “مايس”، الذي بدا أنيق المظهر ودخل القاعة بخطوات واثقة وملامح هادئة تخفي حجم العاصفة التي تلاحقه، وخلفه باقي المتهمين، من بينهم امرأة ترتجف من الخوف، ورجل قصير القامة ومبثور اليد، تبين من خلال وقائع الجلسة أنه زعيم هذه العصابة.
نقاشات قانونية مشتعلة
استهل رئيس الجلسة بالمناداة على أسماء المتهمين الـ 11، ستة منهم يتابعون في حالة اعتقال، من بينهم الرابو “مايس” ورئيس العصابة (م.ل)، و5 أخرين في حالة سراح، قبل أن يمر إلى تذكيرهم بما ورد في محاضر الضابطة القضائية وتقرير قاضي التحقيق، الذي قرر متابعتهم بتهم ثقيلة تتعلق بـ “تكوين عصابة إجرامية ومحاولة الاختطاف والتصفية الجسدية والتحريض على ارتكاب جنايات والاتجار الدولي في المخدرات وحيازة أسلحة دون ترخيص والتزوير والمشاركة”، وهي تهم قد تصل عقوباتها إلى المؤبد.
مباشرة بعدما أتاح رئيس الهيأة الفرصة لهيأة الدفاع لعرض دفوعاتها الشكلية، اشتعلت القاعة بنقاشات قانونية حادة كشفت حجم التوتر المحيط بالملف، حيث بدأ دفاع “مايس” بالتشكيك في محاضر الضابطة القضائية، مؤكدا أن موكله خضع للاستنطاق دون حضور مترجم محلف، وهو ما اعتبره “عيبا جوهريا يمس سلامة الإجراءات من أساسها”. في المقابل، التمس دفاع متهمين المتابعين في حالة اعتقال إطلاق سراح موكليهم لانعدام عنصر “التلبس”، مبرزين أن الملف لا يتوفر على أدلة قطعية تربطهم مباشرة بالمنسوب إليهم، وهو ما رفضه رئيس الجلسة، الذي استمع لكل المداخلات بهدوء تام، وقرر الانتقال مباشرة إلى استنطاق المتهمين واحدا تلو الآخر.
استنطاق وإنكار
بدأ رئيس الجلسة باستنطاق “مايس”، مع الاستعانة بمترجمة محلفة، ووجه له سؤالا مباشرا حول اتهامه بالتحريض على اختطاف واحتجاز ومحاولة قتل أحد خصومه بمراكش. فكان رده هادئًا: “لا علاقة لي بهذه الوقائع، ولا أعرف أيا من المتابعين في هذه القضية، ولم يسبق لي التواصل معهم، وكل ما يروج مجرد ادعاءات لا أساس لها.”
وعند مواجهته بمعطيات تفيد بوجود نزاع بينه وبين الضحية “يونس”، وبأنه غادر فرنسا بعد تصاعد أعمال العنف بينهما، قال: “غادرت فرنسا بعدما أصبحت حياتي مهددة من قبل أشخاص حاقدين بمدينتي، وليس بسبب أي نشاط غير قانوني. وقد انتقلت إلى دبي لأبدأ حياة جديدة مع زوجتي وابنتي، حيث استثمرت جزءا من ثروتي في مشروع ترفيهي كبير.”
لكن رئيس الجلسة واجهه بتصريحات المتهم الرئيسي (م.ل)، الذي أوضح خلال مراحل التحقيق أن العملية نفذها بأوامر من “مايس” مقابل مبالغ مالية كبيرة، وهو ما نفاه الأخير بشكل قاطع، وكرر أنه لا يعرف المدعو (م.ل)، الذي بدوره نفى عند استنطاقه أي علاقة شخصية أو مهنية تربطه بمغني الراب، موضحا أنه “يعرفه فقط من خلاله أغانيه التي يستمع إليها على “اليوتيوب”، مؤكدا عدم وجود أي علاقة أو تواصل مباشر بينهما.
وخلال استنطاق باقي المتهمين، أجمعوا على نفي أي صلة لهم بالاختطاف أو التصفية، مؤكدين أنهم وجدوا أنفسهم داخل الملف بالصدفة أو نتيجة علاقات عابرة لا تمت للجريمة بصلة، في حين اعتبر آخرون أن تصريحاتهم أمام الضابطة انتزعت تحت الضغط. غير أن النيابة العامة واجهتهم بمعطيات هاتفية ومالية واعتبرت أن تبريراتهم “مجرد محاولة للهروب من المسؤولية”.
نحو جلسة حاسمة
بعد الانتهاء من الاستنطاق وإغلاق باب الدفوعات الشكلية، قررت هيأة المحكمة تأجيل مناقشة الملف إلى موعد لاحق، من أجل فتح المجال أمام الدفوعات الموضوعية لهيأة الدفاع وتمكين النيابة العامة من تقديم مرافعتها التفصيلية قبل حجز القضية للمداولة، إذ ينتظر أن تكون الجلسة المقبلة حاسمة في تحديد المسؤوليات وترتيب الآثار القانونية في هذا الملف، الذي يعد واحدا من أثقل القضايا التي نظرتها محكمة طنجة خلال السنوات الأخيرة.
المختار الرمشي (الصباح)
