عمران طنجة بسرعتين.. واجهة حضرية مهيكلة وهوامش خارج التخطيط والمراقبة

عمران طنجة بسرعتين.. واجهة حضرية مهيكلة وهوامش خارج التخطيط والمراقبة

20 ديسمبر, 2025

في طنجة، لا ينظر إلى التعمير بأنه توسعا عمرانيا فرضته التحولات الاقتصادية والديمغرافية التي عرفتها المدينة خلال السنوات الأخيرة، بل واقعا حضريا غير متكافئ أفرزته اختلالات عمرانية لا تنفصل عن منطق انتقائي في التدبير، فبين أحياء حظيت بتخطيط وتجهيزات حديثة باعتبارها واجهة للمدينة، وأخرى توسعت في ظروف صعبة دون مواكبة كافية، يبرز نموذجا للتعمير يسير بسرعتين، ويطرح أسئلة مباشرة حول العدالة المجالية وحدود المسؤولية في تدبير الشأن العمراني داخل المدينة.

فبطنجة، هناك مناطق تقدم اليوم نموذجا لمدينة حديثة قيد التشكل، خاصة وسط المدينة ومحاورها الرئيسية والساحلية، التي تتمركز بها المشاريع العمرانية الكبرى وتتوفر على بنيات تحتية متطورة. في المقابل، هناك وجه آخر مظلم للمدينة، يظهر واضحا بالأحياء الهامشية التي توسعت خارج القانون، وظلت لسنوات بعيدة عن الاهتمام ذاته، ما عمق الفوارق داخل المجال الحضري الواحد.

هذه الأحياء الهامشية، التي تمتد إلى بني مكادة والعوامة وبوخالف وأجزاء من مسنانة، تحولت مع مرور السنوات، في ظل توسع عمراني خارج أي رؤية استباقية للتخطيط، إلى أحياء مكتظة تفتقر إلى المدارس والمراكز الصحية والمساحات الخضراء، وتعاني ضغطا متزايدا على البنيات المحدودة المتوفرة، ما جعل واقع العيش اليومي بها أكثر تعقيدا مقارنة بما يسجل في وسط المدينة ومحيطها.

ويجمع كل المتتبعين للشأن المحلي بالمدينة، أن هذا التفاوت العمراني بين مركز طنجة وهوامشها هو نتيجة تقاطع مجموعة من العوامل التنظيمية والمؤسساتية التي أثرت في انتظام النمو الحضري، تبدأ من عدم ملاءمة وثائق التعمير مع التحولات الديمغرافية التي تعرفها المدينة، مرورا بضعف التنسيق بين المتدخلين في التخطيط والمراقبة، وصولا إلى قصور آليات التتبع والزجر في مواجهة مظاهر البناء غير القانوني، وهي عوامل كرست اختلالات واضحة داخل النسيج العمراني، جعلت بعض المجالات تستفيد من تدخلات مهيكلة، في حين تركت أخرى تواجه التوسع بمنطق التدبير الآني، لا التخطيط المسبق.

وذكر (م.ح)، وهو فاعل في مجال التعمير بطنجة، أن الاختلالات العمرانية بعاصمة البوغاز تعكس منطقا انتقائيا في التدبير الحضري، حيث تم التركيز على وسط المدينة باعتباره مجالا مفضلا للاستثمار والتجهيز، مقابل ترك هوامش المدينة تتوسع لسنوات خارج أي رؤية تخطيطية متكاملة. وأبرز أن هذا التفاوت البنيوي أفرز أحياء تفتقر إلى الحد الأدنى من البنيات الأساسية، وخلق بيئة مواتية للفوضى العمرانية، بما لذلك من انعكاسات مباشرة على الاستقرار الاجتماعي وجودة العيش داخل هذه المجالات المهمشة.

من جهة أخرى، قال المهندس المعماري مصطفى خيرون، إن “اختلال التوازن العمراني بطنجة هو نتيجة تراكم أخطاء وتجاوزات سابقة، أدت إلى فوضى عارمة في البناء وتوسع حضري غير منسجم مع التحولات الديمغرافية والعمرانية التي تعرفها المدينة، بالإضافة إلى تضارب وثائق التعمير وتأخر تحيين تصاميم التهيئة، ماساهم في تفشي أنماط سكنية غير منظمة، وقفت آليات المراقبة عاجزة عن التعامل معها في ظل توسع تم خارج أي رؤية مستقبلية.

وأوضح خيرون، أن بطء إخراج تصاميم جديدة وتعقيد المساطر الإدارية، إلى جانب طول آجال دراسة الملفات وتعدد المتدخلين من جماعات ووكالات حضرية ومصالح تقنية، يفتح المجال أمام مظاهر الفوضى ويشجع السكان على البناء والتوسع الحضري غير منظم، ويفقد الأحياء طابعها الجمالي ويقلل من جاذبيتها، وذلك يؤثر بشكل سلبي على الجهود السياحية والاقتصادية للمدينة.

واختتم خيرون تصريحه بالقول إنه، رغم عمق الاختلالات التي يعرفها التعمير بطنجة، لا يمكن إغفال المجهودات التي يقوم بها والي جهة طنجة–تطوان–الحسيمة، من خلال تشديد المراقبة على أوراش البناء وتفعيل لجان للتصدي للبناء غير القانوني، إضافة إلى تحريك عدد من ملفات التهيئة العالقة. غير أن حجم التراكمات، بحسب خيرون، يفرض اعتماد مقاربة شمولية تقوم على تحيين وثائق التعمير وتعزيز التنسيق بين المتدخلين، بما يضمن توازنا عمرانيا وعدالة مجالية داخل المدينة.”

وأمام هذا الواقع، يظل التحدي المطروح بطنجة هو الانتقال من تدبير عمراني بمنطقين مختلفين إلى رؤية موحدة تقلص الفوارق بين المركز والهامش، وتعيد الاعتبار للعدالة المجالية في التخطيط. واقع يطرح، في النهاية، سؤال المسؤولية حول اختيارات التعمير وحدود المحاسبة في مدينة تُبنى اليوم بسرعتين.

المختار الرمشي (الصباح)

التعليقات

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*