شهد المغرب في الأسابيع الأخيرة فيضانات واسعة شكلت اختبارا عمليا لقدرة الدولة على التعامل مع كوارث طبيعية معقدة، وقد أبرزت هذه الأحداث أن قوة الدولة لا تقاس فقط بكمية الأمطار أو مساحة الأضرار، بل بقدرتها على قراءة المؤشرات بسرعة، واتخاذ القرار في الوقت المناسب، وتنسيق التدخلات الميدانية لضمان سلامة المواطنين واستمرارية المرافق الحيوية.
يعكس الأداء المغربي في هذه الأزمة ما يعرف في الدراسات الأكاديمية بالقدرة الدولتية أي قدرة الدولة على تحويل القرار السيادي إلى أثر ميداني ملموس تحت ضغط الزمن وغياب اليقين، وتؤكد التجربة أن فعالية الدولة تعتمد ليس على حجم الموارد فقط، بل على قدرتها على تعبئة هذه الموارد وتوجيهها بكفاءة عند الأزمات.
في الفيضانات الأخيرة، أظهرت المعطيات أن نظام التنبؤ والإنذار المبكر Vigirisques Inondations، المعتمد على دمج بيانات الأرصاد مع النماذج الهيدرولوجية، مكن من توقع ذروة السيول قبل وقوعها، ما أتاح اتخاذ إجراءات إجلاء واسعة شملت أكثر من 154 ألف شخص، ووصل العدد إلى نحو 188 ألفاً في مراحل لاحقة، وقد ساهمت هذه الاستباقية في الحد من الخسائر البشرية، خصوصا في مناطق مثل القصر الكبير، حيث جرى إجلاء عشرات الآلاف في وقت وجيز.
جاء التدخل المغربي متناغما بين مختلف أجهزة الدولة، من الحكومة بمختلف قطاعاتها، إلى القوات المسلحة الملكية، والدرك الملكي، والأمن الوطني، والوقاية المدنية، إضافة إلى فرق الدعم الطبي والاجتماعي، ضمن قيادة منسقة استجابة لتعليمات ملكية، ويظهر هذا التكامل المؤسساتي قدرة الدولة على توحيد جهود الجهات المختلفة لتحقيق هدف واحد، وهو عنصر أساسي لتقييم قوة الدولة وفق نظريات الحوكمة.
ولم يتوقف التدخل عند مرحلة الطوارئ، بل انتقل بسرعة إلى إعادة الاستقرار، عبر برنامج دعم وإعادة تأهيل بقيمة نحو 3 مليارات درهم، يشمل تعويضات تصل إلى 140 ألف درهم لإعادة بناء المساكن المتضررة، إلى جانب إصلاح الطرق والمنشآت ودعم الأنشطة الاقتصادية والفلاحية.
ويؤكد هذا الانتقال السلس من التدخل العاجل إلى إعادة الاستقرار على مستوى متقدم من استمرارية الوظائف المؤسسية، وهي من خصائص الدولة القوية القادرة على حماية مواطنيها اجتماعيا واقتصاديا أثناء الأزمات.
وتبرز فعالية التجربة المغربية عند مقارنتها مع دول أوروبية شهدت أحداثا مشابهة، مثل إسبانيا والبرتغال، حيث أسفرت الفيضانات عن وفيات وخسائر مادية، مع عمليات إجلاء أقل شمولية. فقد أثارت التجربة المغربية الإعجاب حتى في البرلمان البرتغالي، حيث استُشهد بسرعة الإجلاء ونجاعة التدخل الاستباقي كنموذج لإدارة الأزمات.
إضافة إلى الكفاءة المؤسسية، لعب التفاعل المجتمعي والمرونة الاجتماعية (Social Resilience) دورا محوريا، حيث أظهر المواطنون تضامناً وتعاوناً مع فرق التدخل، مما ساعد على تسريع العمليات وتقليل حالات الارتباك، وقد أكد هذا النمط على أهمية تلاحم الدولة والمجتمع في مواجهة الكوارث، كما ظهر سابقاً خلال تدبير جائحة كورونا وزلزال الحوز سنة 2023.
إن التجربة المغربية الأخيرة تقدم دليلا عمليا على متانة الدولة واستمرارية فعاليتها، حيث أثبتت المؤسسات قدرة على ضبط المجال الاجتماعي والاقتصادي خلال ذروة الأزمات، وإعادة انتظام الحياة العامة بثبات وكفاءة، ويترتب عن ذلك شعور جماعي بالفخر والانتماء الوطني، إذ أن النجاح في إدارة الأزمات الكبرى يرفع الدولة من مجرد رد فعل ظرفي إلى نموذج عملي للثقة والكفاءة المؤسسية.
