سلسلة: رمضان طنجة.. مفارقات وإيقاعات متعددة (الحلقة الثانية)

سلسلة: رمضان طنجة.. مفارقات وإيقاعات متعددة (الحلقة الثانية)

13 مارس, 2026

 إفطار على إيقاع البحر

إذا كانت طقوس رمضان في طنجة تختلف عن باقي الحواضر المغربية لارتباطها بتقاليد مغربية متجذرة ومظاهر حياة غربية منفتحة، فإن ذلك لا يعود فقط إلى تاريخها الكوسموبوليتي أو إيقاعها الليلي المختلف، بل أيضا إلى عادات يومية ابتكرها سكان المدينة واتخذوا منها طقوسا معتادة خلال هذا الشهر الفضيل، من بينها الإفطار على إيقاع البحر بالواجهة المتوسطية، حيث يختار عدد من العائلات والأصدقاء اقتسام وجبة الإفطار في الهواء الطلق على مرمى الأمواج ونسمات المضيق.

فمع اقتراب آذان المغرب، تبدأ حركة أخرى في التشكل على الواجهة البحرية لطنجة، خاصة بكورنيش “مرقالة”، الذي يستقبل أفواجا من العائلات والأصدقاء ممن اختاروا الإفطار على مرمى الأمواج. سيارات من مختلف الأصناف تتوقف تباعا وهي محملة بسلال الطعام وأباريق الشاي، فيترجل راكبوها نحو الصخور أو الأرصفة المطلة على البحر، ويمدون موائد بسيطة في الهواء الطلق تضم مختلف الأطباق الرمضانية، بما فيها الحريرة والتمر والشباكية وغيرها. وبينما ينشغل الكبار بترتيب وجبة الإفطار، يركض الأطفال على الرصيف المطل على مياه البحر، فيما يستعد هواة الصيد لتجميع قصباتهم في انتظار لحظة الأذان، في مشهد يختلط فيه دفء العائلة والأصحاب بسحر البحر الذي يعتبرجزءا من الحياة اليومية لسكان طنجة.

وبعد لحظات الإفطار الأولى، يتغير إيقاع المكان تدريجيا، إذ تبدأ أفواج أخرى من السكان في التوافد على كورنيش مرقالة للتنزه بعد يوم طويل من الصيام، بالإضافة إلى عدد من الزوار والسياح الذين ينسجمون بعفوية في لحظات تمتزج فيها بساطة الحياة الرمضانية بسحر المدينة الساحلية. ومع مرور الوقت، يتحول المكان إلى فضاء اجتماعي مفتوح، يختلط فيه صوت الأمواج بحركة المارة الذين اعتادوا جعل مرقالة محطة ثابتة في ليالي رمضان.

ومع تزايد أعداد الوافدين على الكورنيش، تنتعش أيضا حركة الباعة المتجولين الذين يجدون في هذه التجمعات الرمضانية فرصة لعرض سلعهم البسيطة. فعلى امتداد الواجهة البحرية تنتشر عربات صغيرة لبيع الشاي والمكسرات والذرة المشوية وبعض المأكولات الخفيفة التي يقبل عليها المتنزهون، فيما يجوب باعة آخرون المكان حاملين سلال الحلوى أو المشروبات، في مشهد يضفي على مرقالة طابعا شعبيا حيويا، ويحول المكان إلى سوق ليلي صغير يزداد صخبا مع تقدم ساعات الليل، قبل أن يستعيد هدوءه تدريجيا مع اقتراب وقت السحور.

حركة هواة البحر بطنجة لا تقتصر على مرقالة وحدها، بل تمتد أيضا إلى الكورنيش الساحلي الممتد من ميناء المدينة إلى منطقة الغندوري، الذي يتحول بدوره بعد الإفطار إلى فضاء مفتوح يستقطب مئات الشباب، منهم من يتجول بسياراته على طول الطريق، فيما  يختار آخرون المشي ذهابا وإيابا قرب البحر، في مشهد يعكس شغف الطنجاويين بواجهتهم البحرية التي تتحول خلال ليالي رمضان إلى متنفس واسع للقاءات والخرجات الليلية.

وهكذا يظل البحر جزءا من الطقوس الرمضانية الخاصة بسكان طنجة، إذ في الوقت الذي يختار البعض الإفطار على رصيفه وصخوره في مرقالة، يجد آخرون في الكورنيش المدينة فضاء للسهر والتنزه بعد يوم طويل من الصيام. وبين هذين المشهدين، يكشف رمضان طنجة مرة أخرى عن مدينة تعيش الشهر الفضيل بطريقتها الخاصة، حيث تمتزج بساطة العادات اليومية بسحر البحر الذي يطبع إيقاع الحياة فيها.

 

التعليقات

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*