مساجد تعيد للمدينة نبضها الروحي
إذا كان البحر والكورنيش يرسمان جزءا من المشهد الرمضاني في طنجة بعد الإفطار، فإن المساجد تبقى القلب النابض للحياة الروحية في المدينة خلال هذا الشهر الفضيل. فمع حلول صلاة العشاء، تتجه أفواج المصلين نحو المساجد المنتشرة في مختلف الأحياء، حيث تمتلئ ساحاتها وأروقتها بالمصلين الذين يقصدونها لأداء صلاة التراويح في أجواء يغلب عليها الخشوع والسكينة. وفي هذه اللحظات، تبدو طنجة وكأنها تستعيد أحد أوجهها العميقة، حيث تتوارى ضوضاء المدينة قليلا، ليعلو صوت التلاوة في المساجد التي تتحول خلال ليالي رمضان إلى فضاءات عامرة بالمصلين من مختلف الأعمار.
بعد آذان العشاء، يتشكل مشهد رمضاني مألوف يتكرر كل سنة بطنجة. أفواج من الرجال والنساء والشباب والأطفال يقصدون بيوت الله لأداء صلاة التراويح. ومع امتلاء الصفوف داخل المساجد الكبرى بالمدينة، يضطر كثير من المصلين الجلوس بالفضاءات الخارجية والأرصفة والحدائق المجاورة للمساجد، ويصطفون في هدوء وانتظام، فيما يتردد صدى التلاوة في الأرجاء، ليصنع لحظة روحانية تعيد للمدينة شيئا من سكينتها وسط إيقاعها الليلي الصاخب.
وتزداد هذه الأجواء الروحانية وضوحا في عدد من المساجد الكبرى التي تعرف إقبالا لافتا خلال ليالي رمضان، من بينها مسجد محمد الخامس وسط المدينة، الذي يتحول مع حلول صلاة التراويح إلى قبلة لمئات المصلين القادمين من مختلف الأحياء المجاورة، بالإضافة إلى مساجد أخرى معروفة مثل مسجد السوريين ومسجد بدر ومسجد طارق بن زياد، حيث تمتلئ قاعات الصلاة بالمصلين في وقت مبكر، في مشهد يعكس المكانة التي تحتلها صلاة التراويح في وجدان الطنجاويين خلال هذا الشهر الفضيل.
ولا يقتصر الإقبال على المساجد خلال ليالي رمضان على كبار السن فقط، بل يشمل أيضا عددا من الشباب والأطفال الذين يحرصون على مرافقة آبائهم لأداء صلاة التراويح، حيث يجد عدد من الآباء في رمضان فرصة لغرس أولى معاني الارتباط بالمسجد في نفوس أبنائهم. كما تتوافد النساء والفتيات لأداء الصلاة في القاعات المخصصة لهن. وهذا التنوع يمنح المساجد طابعا اجتماعيا خاصا، ويعكس استمرار هذه الطقوس الدينية عبر الأجيال داخل المجتمع الطنجاوي.
ولا تكتمل صورة ليالي التراويح في طنجة دون الحديث عن بعض الأئمة والقراء الذين استطاعوا بفضل أصواتهم الندية أن يستقطبوا أفواجا كبيرة من المصلين. ويعد الشيخ سعيد الوسيني من أبرز هؤلاء، إذ يجذب بصوته الخاشع آلاف المصلين إلى مسجد السوريين العريق، حيث تمتلئ أروقته بالمؤمنين القادمين من مختلف أحياء المدينة. كما يشكل الإمام والقارئ حجاج العلمي بدوره نقطة جذب مهمة بمسجد بدر، الذي يتحول خلال ليالي رمضان إلى قبلة لمئات المصلين من الرجال والنساء والأطفال، إذ بفضل شهرتهما يتسابق المصلين لأخذ أماكنهم بالصفوف الأولى، في مشهد تغلب عليه أجواء الخشوع والسكينة التي تميز ليالي التراويح في المدينة.
هكذا تكشف مساجد طنجة في رمضان عن وجه آخر لتشبث السكان بالطقوس الروحانية المتجذرة في تقاليدهم، حيث تمتلئ بيوت الله بالمصلين الباحثين عن السكينة. وبين هذه الأجواء يواصل رمضان طنجة رسم مفارقاته الخاصة بين الانفتاح الليلي ونبضه الروحي المتجدد.
