بين بذخ الأحياء الراقية وعوز الهوامش
في قلب طنجة، خاصة بالأحياء الراقية، يأخذ رمضان طابعا مختلفا يميز المدينة عن غيرها من الحواضر المغربية. فإلى جانب موائد الإفطار داخل البيوت، أو على إيقاع البحر بالواجهة البحرية، تفضل عدد من العائلات الطنجاوية أن تتناول وجبة الإفطار في المطاعم والفنادق الراقية، وهي عادة أصبحت جزءا من المشهد الرمضاني بالمدينة منذ سنوات، إذ مع اقتراب أذان المغرب، تمتلئ هذه الفضاءات بالعائلات والأصدقاء الذين يحجزون موائدهم مسبقا للاستمتاع بقوائم رمضانية خاصة تجمع بين أطباق المطبخ المغربي وأصناف عالمية، في مشهد يعكس نمطا اجتماعيا حضريا طبع طريقة عيش رمضان في مركز المدينة.
وعلى مسافة غير بعيدة من أحياء طنجة الراقية، تتخذ أجواء رمضان ملامح مختلفة تماما في عدد من الأحياء الهامشية بالمدينة. فهناك يعيش كثير من السكان هذا الشهر الفضيل في ظروف أبسط بكثير، حيث تقتصر موائد الإفطار على أطباق تقليدية تعد داخل بيوت متواضعة، وأحيانا في غرف ضيقة تقطنها أسر جاءت من مدن ومناطق أخرى بحثا عن لقمة العيش، حيث تنشغل النساء، مع اقتراب أذان المغرب، بإعداد ما تيسر من طعام، بينما ينتظر الأطفال لحظة الإفطار في أجواء يغلب عليها التضامن بين الجيران، إذ يتقاسم بعض السكان ما توفر لديهم من أطباق بسيطة، في صورة تعكس وجها آخر من رمضان المدينة بعيدا عن أضواء المطاعم والفنادق.
في زوايا أخرى من المدينة، يعيش عدد من المهاجرين السريين القادمين من بلدان إفريقيا جنوب الصحراء رمضان بطريقتهم الخاصة، بعيدا عن أجواء العائلات والموائد العامرة. فهؤلاء الذين جعلوا من طنجة محطة انتظار طويلة في طريق الهجرة نحو الضفة الأخرى، يقضون أيامهم بين البحث عن عمل عرضي أو انتظار فرصة للعبور، إلا أن أغلبهم يعانون خلال شهر رمضان، خاصة المسلمين منهم، الذين يضطرون إلى الإفطار بما يتيسر من خبز أو تمر يحصلون عليه من بعض المحسنين أو الجمعيات الخيرية، قبل أن يقضوا لياليهم في أماكن مهجورة، وأملهم الحصول على فرصة تقربهم من حلم الوصول إلى أوروبا.
ولا يختلف حال بعض أطفال الشوارع كثيرا عن هؤلاء المهاجرين، إذ يقضون ليالي رمضان متنقلين بين الأزقة والساحات العمومية بحثا عما يسد رمقهم، حيث تجدهم مجتمعين قبل أذان المغرب بقرب المخابز أو المطاعم الصغيرة أملا في الحصول على بقايا الطعام أو ما يجود به المارة من صدقات، بينما يفضل آخرون التوجه إلى محيط المساجد حيث توزع أحيانا وجبات الإفطار على المحتاجين، قبل أن يواصلوا ليلهم في الشوارع والساحات نفسها التي اعتادوا اتخاذها مأوى مؤقتا لهم، بعيدين عن دفء العائلة وأجواء الموائد التي تميز هذا الشهر لدى معظم الأسر.
هكذا يكشف رمضان في طنجة عن مفارقة اجتماعية أخرى تضاف إلى مفارقات المدينة خلال هذا الشهر الفضيل. فبين موائد الإفطار العامرة في أحياء المركز والمطاعم الراقية، وموائد متواضعة في الأحياء الهامشية، وصيام يمر في صمت لدى المهاجرين السريين وأطفال الشوارع، تبدو المدينة كأنها تعيش أكثر من رمضان في الوقت نفسه، إذ بين هذه الصور المتباينة، يعكس الشهر الفضيل وجها من التحولات الاجتماعية التي عرفتها طنجة خلال السنوات الأخيرة، حيث اتسعت الفوارق بين مركزها النابض بالحياة وهوامشها التي تواصل العيش بإيقاع أكثر بساطة وهشاشة.
