المغرب يعزز مكانته نموذجا إقليميا في تدبير مخاطر الكوارث وتعزيز القدرة على الصمود

المغرب يعزز مكانته نموذجا إقليميا في تدبير مخاطر الكوارث وتعزيز القدرة على الصمود

25 أغسطس, 2026

يعزز المغرب مكانته كنموذج إقليمي في مجال الوقاية من الكوارث الطبيعية وتدبير مخاطرها، بعدما انتقل تدريجياً من مقاربة تركز على الاستجابة للكوارث بعد وقوعها إلى سياسة استباقية تقوم على الوقاية والحد من الخسائر البشرية والاقتصادية، وفق حصيلة حديثة للبنك الدولي.

وأوضح البنك الدولي، في تقرير حديث نُشر يوم الجمعة 21 غشت 2026، أن المملكة اعتمدت خلال السنوات الماضية مقاربة متكاملة لتعزيز القدرة على الصمود في مواجهة الكوارث، تجمع بين الاستثمارات الوقائية والإصلاحات المؤسساتية وتطوير آليات الحماية المالية.

وخلال الفترة الممتدة بين 2016 و2025، جرى تمويل أكثر من 300 مشروع للحد من مخاطر الكوارث بالمغرب، باستثمارات تجاوزت 408 ملايين دولار. وشملت هذه المشاريع، على الخصوص، الحماية من الفيضانات، وتطوير أنظمة الإنذار المبكر، وإعداد خرائط المخاطر، وتعزيز التخطيط الحضري.

وبحسب البنك الدولي، مكّنت المشاريع الهيكلية التي اكتمل تنفيذها إلى نهاية مارس 2025 من حماية نحو 700 ألف شخص، أي ما يقارب ثلاثة أضعاف الهدف المحدد في البداية، مع تمثيل النساء لنحو نصف المستفيدين.

وفي المقابل، استفاد أكثر من 36 مليون شخص على الصعيد الوطني، خلال سنة 2025، من المشاريع غير الهيكلية المرتبطة بإعداد خرائط المخاطر، وأنظمة الإنذار المبكر، والاستعداد للكوارث، مع تسجيل نسبة تقارب 50 في المائة من النساء ضمن المستفيدين.

كما دخل، منذ سنة 2023، نظام جديد للإنذار المبكر ضد الفيضانات حيز العمل، موفراً الحماية لنحو 240 ألف شخص في أربع مناطق مصنفة ذات مخاطر مرتفعة.

إصلاح مؤسساتي لتعزيز الاستباق

ولا تقتصر المقاربة المغربية على تطوير البنيات التحتية، بل تشمل أيضاً إعادة هيكلة المنظومة المؤسساتية المعنية بتدبير مخاطر الكوارث. وفي هذا الإطار، جرى بين عامي 2020 و2025 إحداث مديرية دائمة لتدبير مخاطر الكوارث، تضم 89 موظفاً.

كما اعتمد المغرب أول استراتيجية وطنية لتدبير مخاطر الكوارث للفترة 2020-2030، بهدف تعزيز التنسيق بين مختلف القطاعات الحكومية والجماعات الترابية، وترسيخ مقاربة أكثر استباقية في مواجهة المخاطر الطبيعية.

ويرى البنك الدولي أن هذه السياسة تقوم على منظومة متكاملة تجمع بين التمويل وإصلاح السياسات العمومية والمساعدة التقنية، إلى جانب توسيع نطاق الشراكات الدولية.

الحماية المالية.. ركيزة أساسية

وتشكل الحماية المالية أحد المكونات الرئيسية لهذه الاستراتيجية، إذ أفاد البنك الدولي بأن نظام التأمين ضد الكوارث كان يغطي نحو 20 مليون شخص في المغرب خلال سنة 2025.

كما تمكن صندوق عمومي للتضامن من تعبئة 133 مليون دولار، وصرف 300 مليون دولار عقب زلزال الحوز الذي ضرب المملكة في شتنبر 2023، وخلف نحو 3 آلاف وفاة وأثر على حوالي 300 ألف شخص.

وأبرز البنك الدولي أن تجربة زلزال الحوز أظهرت أهمية توفر آليات للحماية المالية تكون جاهزة وفعالة قبل وقوع الكوارث، بما يسمح بتسريع الاستجابة والحد من تداعياتها الاقتصادية والاجتماعية.

تحديات متزايدة بفعل المناخ والتوسع الحضري

ورغم التقدم المحرز، يؤكد البنك الدولي أن المغرب لا يزال يواجه تحديات كبيرة، في ظل تعرضه بصورة متكررة للفيضانات والزلازل والانهيارات الأرضية والجفاف والتعرية الساحلية، وهي مخاطر تهدد السكان والأنشطة الاقتصادية على حد سواء.

كما يساهم تغير المناخ والتوسع الحضري السريع في زيادة حدة بعض هذه المخاطر وتواترها، ما يجعل تعزيز القدرة على الصمود أولوية متزايدة.

ويستحضر التقرير في هذا السياق زلزال الحوز في شتنبر 2023، إلى جانب الفيضانات المميتة التي شهدتها مدينة آسفي في دجنبر 2025، والتي خلفت ما لا يقل عن 37 وفاة، فضلاً عن الفيضانات التي

ضربت شمال المملكة بين يناير وفبراير 2026، وتسببت في نزوح أكثر من 180 ألف شخص، ودَفعت السلطات إلى إعلان عدد من الأقاليم مناطق منكوبة.

إدماج مخاطر الكوارث في التخطيط الحضري

وشمل الدعم الدولي الموجه إلى المغرب أيضاً تعزيز معايير البناء المقاوم للكوارث، وتحسين القواعد التنظيمية المتعلقة بسلامة المباني، وإدماج اعتبارات المخاطر في التخطيط الحضري.

وفي هذا الإطار، استفادت مدينتا فاس والمحمدية/عين حرودة من أعمال للمساعدة التقنية ترمي إلى إدماج الوقاية من المخاطر بشكل أكبر في سياسات التخطيط والتنمية الحضرية.

كما تعاون البنك الدولي مع عدد من الشركاء الدوليين، من بينهم المرفق العالمي للحد من مخاطر الكوارث والتعافي منها، والمرفق العالمي لتمويل القدرة على الصمود، وأمانة الدولة السويسرية للشؤون الاقتصادية.

المغرب.. تجربة مرجعية على المستوى الإقليمي

ويخلص البنك الدولي إلى أن التجربة المغربية تؤكد أهمية الجمع بين ثلاثة محاور رئيسية لتعزيز القدرة على مواجهة الكوارث، تتمثل في الإصلاح المؤسساتي، والاستثمار في الوقاية، وتوفير الحماية المالية.

وبحسب المؤسسة، ساهمت هذه المقاربة في تعزيز التكيف المناخي والقدرة على الصمود لدى أكثر من 36 مليون مغربي، فيما يتجه المغرب إلى مواصلة تطوير منظومته من خلال توسيع أنظمة الإنذار المبكر ضد الفيضانات، وتعزيز البنيات التحتية والمباني الحيوية، وتحسين الاستعداد المحلي للكوارث، وتطوير تخطيط حضري يستند بصورة أكبر إلى تحليل المخاطر.

ومن خلال هذه التجربة، يبرز المغرب، وفق البنك الدولي، كحالة مرجعية على المستوى الإقليمي، مع إمكانية الاستفادة من الدروس المستخلصة من تجربته في تصميم برامج جديدة لتعزيز القدرة على الصمود والتكيف مع التغير المناخي وتدبير الكوارث في دول أخرى تواجه تحديات مماثلة.

التعليقات

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*