تحولت بنايات ومحلات تجارية ومرافق عمومية وساحات وأراض مهجورة بطنجة، خلال السنوات الأخيرة، إلى نقط سوداء تؤرق السكان والسلطات على حد سواء، بعدما فقدت وظائفها الأصلية وطالها الإهمال، وتحول أغلبها لمأوى للمشردين والمدمنين والمنحرفين، وفضاءات تمارس داخلها سلوكات غير قانونية بعيدا عن المراقبة، وأصبحت تمثل خطرا على السكان المجاورين، خاصة النساء والأطفال، ما دفع بفعاليات مدنية إلى المطالبة بتدخل عاجل لإغلاقها أو تأهيلها ووضع حد لما تسببه من قلق يومي.
النقط السوداء بعاصمة البوغاز كثيرة ومتعددة، ويكفي أن تقوم بجولة بسيطة في أحياء المدينة، سواء الراقية منها أو الهامشية، لتكتشف أن ظاهرة الفضاءات المهجورة لم تعد تقتصر على بنايات خاصة أو محلات تجارية مغلقة، بل امتدت إلى مرافق عمومية ورياضية وساحات وأراض عارية فقدت روحها ووظائفها، بعدما تركت دون حراسة وصيانة وطالتها مظاهر التخريب والفوضى، وأضحت تستقطب المشردين والمدمنين، وتشكل نقطة جذب رئيسية للمرشحين للهجرة غير النظامية، وملاجئ للتجمع في انتظار فرصة للعبور نحو الضفة الأخرى.
وتنتشر هذه الأوكار بمناطق مختلفة من المدينة، بما فيها شوارع رئيسية مثل شارع فاس وولي العهد وموسى بن نصير، ووسط حي المصلى الشعبي، بالإضافة إلى طريق المجاهدين والمنطقة الصناعية القديمة، فضلا عن أحياء هامشية وأخرى قريبة من الساحل. وتمثل القاعة المغطاة “بدر” نموذجا حيا لهذا الوضع المقلق، بعدما تحولت من فضاء احتضن مباريات دولية وتظاهرات رياضية وسياسية بارزة إلى بناية مهملة تؤرق سكان الأحياء المجاورة.
“بدر” من التتويج إلى الخراب
يكفي أن تقترب من القاعة المغطاة “بدر”، المتواجدة بالحي الإداري على بعد خطوات من ولاية الجهة ومقر «ديستي» بالمدينة، لتدرك حجم الإهمال الذي طال واحدا من أشهر المرافق الرياضية بطنجة، إذ بوصولك تستقبلك أكوام الأزبال عند مدخلها، فيما تبدو أبوابها مكسرة ومشرعة على فضاء تحول إلى شبه خراب، فيما لم تسلم مرافق القاعة من التخريب والسرقة، بعد أن اقتلعت أعداد كبيرة من مقاعد مدرجاتها أو تعرضت للتكسير، بينما اتخذ عشرات الأشخاص من الفضاءات السفلى أماكن للنوم والمبيت، في مشهد يصعب معه تصديق أن هذا المكان نفسه كان، إلى وقت قريب، يعج بالجماهير ويحتضن أبرز التظاهرات الرياضية بالمدينة.
وترتبط “بدر” بذاكرة رياضية راسخة، بعدما احتضنت لسنوات مباريات اتحاد طنجة لكرة السلة وتظاهرات رياضية وسياسية بارزة. غير أن مسارها تغير منذ يناير 2020، حين قررت جماعة طنجة إغلاقها بعد معاينة تقنية سجلت تدهور وضعيتها وعدم صلاحيتها للاستعمال، مع الإعلان عن إعادة تأهيلها. لكن مرور السنوات دون استعادة القاعة لوظيفتها تركها عرضة للإهمال والتخريب، وحولها من فضاء للتتويجات والأنشطة الكبرى إلى بناية مهجورة.
السكان يدفعون الثمن
ودفع الوضع المتردي للقاعة سكان عمارات بشارع الأندلس وأبو داود الظاهري المجاورتين لها إلى توجيه شكاية إلى والي جهة طنجة تطوان الحسيمة، بعد أن أصبحت وجهة لمشردين ومرشحين للهجرة غير النظامية، الذين اتخذوا من فضاءاتها مكانا للمبيت رفقة نسائهم وأطفالهم. وأكد السكان في شكايتهم أن بعض الوافدين يعمدون إلى جلب نساء لممارسة الرذيلة، إلى جانب نشوب مشاجرات متكررة ومضايقات للمارة، ما خلق حالة من الخوف لدى السكان، خاصة النساء والأطفال.
وأكد مسير مطعم ومقهى مجاور أن بعض المقيمين داخل القاعة يعمدون إلى إشعال النار وطهي الطعام داخلها، ما تسبب أخيرا في تصاعد دخان كثيف استدعى تدخل الأمن والوقاية المدنية، مضيفا أن المهنيين ورواد المحلات المجاورة باتوا يتوجسون من تكرار مثل هذه الحوادث وتحولها إلى حرائق أو مشاجرات تهدد سلامة المحيط.
وحذر السكان من استمرار الوضع وما قد يترتب عنه من سرقات واعتراض سبيل المارة وسلوكات مخلة بالآداب، ملتمسين من والي الجهة التدخل العاجل وإعطاء تعليماته للجهات المعنية لوضع حد لهذا الوضع ورفع الضرر عن الحي.
أوكار في قلب المدينة
لا تنفرد قاعة “بدر” بهذا الوضع، إذ تنتشر بطنجة عدة بنايات ومحلات مهجورة تحولت بدورها إلى أوكار للتشرد والانحراف، من بينها فيلات آيلة للسقوط بحي كاليفورنيا، التي استقر داخلها مشردون ومشبوهون، بعدما طالها الإهمال وترك بعضها دون حراسة أو مراقبة. وأكد سكان بالحي، أن هذه البنايات أضحت تستعمل للمبيت وتعاطي المخدرات وممارسات مخلة بالآداب، فيما تتراكم بجنباتها الأزبال وتنتشر الروائح الكريهة بسبب التبول العشوائي، ما زاد من قلقهم على سلامة أبنائهم وممتلكاتهم.
ويتكرر المشهد بشوارع فاس وولي العهد وموسى بن نصير، حيث تنتشر محلات وإقامات مهجورة تستقطب متشردين، إذ سبق أن أسفر حريق داخل إقامة مهجورة بموسى بن نصير عن تفحم شخصين مجهولي الهوية كانا يتخذانها مأوى لهما، في حين نجد حي المصلى الشعبي، يزخر ببنايات آيلة للسقوط ومساحات عارية تستقبل يوميا عشرات المنحرفين، خاصة بشارع كولومبيا وزنقة زريوح، حيث نصبوا هناك خياما للإقامة والسهر وتعاطي المخدرات، رغم شكايات المواطنين ومطالبتهم بالتدخل لتخليصهم من الضجيج والمشاجرات والروائح الناتجة عن التخلص العشوائي من الفضلات.
بين التدبير والأمن
بموازاة مع تزايد أعداد المشردين والمرشحين للهجرة غير النظامية الذين يتخذ بعضهم من الفضاءات المهجورة ملاجئ مؤقتة، كثفت سلطات طنجة خلال الأسابيع الأخيرة تدخلاتها الميدانية للحد من انتشار الظاهرة وإخلاء هذه النقط من شاغليها. أسفرت عن توقيف وإبعاد أزيد من أربعة آلاف شخص، من بينهم مغاربة ومهاجرون من دول إفريقيا جنوب الصحراء، فيما تراوح عدد الموقوفين يوميا بين 150 و350 شخصا، وارتفع في بعض الأيام إلى حوالي 400 شخص بالتزامن مع دعوات العبور نحو سبتة. وأكدت أن هذه التدخلات لا تكتسي طابعا موسميا أو استثنائيا، بل تندرج ضمن حملات اعتيادية تواصلها السلطات على مدار السنة للحد من التشرد وإخلاء الفضاءات التي تتحول إلى نقط تجمع وإيواء غير قانونية.
من جهة أخرى، أكد مسؤول بولاية أمن طنجة أن التعامل مع أوكار المشردين والمهاجرين غير النظاميين مسؤولية مشتركة تتكامل فيها أدوار الجماعات الترابية والسلطات المحلية والأمنية، موضحا أن مصالح الشرطة تتولى المداهمات وعمليات التمشيط وتفكيك هذه البؤر، إلى جانب التحقق من هويات الموجودين داخلها ووضعياتهم القانونية، فيما تضطلع الجماعات الترابية والسلطات المحلية، كل في حدود اختصاصها، بإخلاء الفضاءات العمومية المهجورة ومعالجة البنايات الآيلة للسقوط وتنظيف النقط السوداء وإنارتها، فضلا عن رصد البؤر وتنسيق الحملات مع الأجهزة الأمنية، داعيا المواطنين إلى التبليغ عن التجمعات والتحركات المشبوهة داخل الأحياء والبنايات المهجورة.
وفي ظل استمرار هذه الفضاءات خارج المراقبة، تظل قابلة للتحول إلى نقط سوداء تعيد إنتاج مظاهر التشرد والانحراف والإزعاج داخل الأحياء، ما يجعل المعالجة المستدامة رهينة بتأهيلها أو تأمينها وإغلاقها، إلى جانب مواصلة التدخلات الأمنية والمحلية لحماية السكان والحفاظ على سلامة المحيط الحضري.
المختار الرمشي (الصباح)



