الحلقة الأولى:
رمضان طنجة.. طقوس روحانية وحياة منفتحة
في طنجة، لا يشبه رمضان باقي الحواضر المغربية. فعلى هذه الضفة المطلة على مضيق جبل طارق، امتزجت عبر عقود ثقافات متعددة حين كانت المدينة خاضعة للانتداب الدولي، وتشكلت عادات رمضانية بطابع خاص، حيث تتجاور الطقوس الروحانية المتجذرة في التقاليد المغربية مع مظاهر حياة غربية منفتحة ورثتها المدينة عن ماضيها الكوسموبوليتي. لذلك لا يبدو غريبا حينما يختار كثير من الزوار قضاء هذا الشهر الفضيل أو جزء منه بهذه المدينة، حيث يمتزج عبق التقاليد بجاذبية بحظيرة تعيش رمضانها على إيقاع مختلف.
خصوصية رمضان في طنجة تظهر في إيقاعها اليومي المزدوج. نهار هادئ تخفت فيه حركة الشوارع والمقاهي، وليل تستعيد فيها المدينة صخبها المعتاد كأنها تعيش زمنين مختلفين، غير أن هذا الإيقاع المزدوج ليس مجرد تغير عابر في نمط الحياة، بل يكشف خصوصية مدينة تشكلت هويتها عبر تاريخ طويل من الانفتاح الثقافي. فطنجة التي عاشت زمنا تحت الحكم الدولي، وامتزجت فيها ثقافات متعددة، من الفرنسية والإسبانية والبريطانية إلى البرتغالية وغيرها، لم تذب هويتها في هذا الامتزاج، بل ظلت محافظة على موروثها الثقافي والديني وطابعها الإسلامي الواضح، حتى إن عددا من الأجانب الذين استقروا بها خلال تلك المرحلة اختار بعضهم اعتناق الإسلام ومواصلة حياتهم فيها بعد الاستقلال، في دلالة على قوة تأثيرها الثقافي.
هكذا يبدو رمضان في طنجة امتدادا لذلك التاريخ المركب: مدينة دولية الهوى، لكنها متشبثة بجذورها. فالانفتاح الذي طبع مسارها لم يلغ بعدها الروحي، بل تكيف معه، ليصنع صورة خاصة لرمضان طنجة العريقة. صورة مدينة تؤجل صخبها إلى ما بعد الغروب، دون أن تفقد نبضها أو هويتها.
ويظهر هذا التوازن بين الانفتاح والروحانية بوضوح في تفاصيل الحياة اليومية خلال الشهر الفضيل. فمع اقتراب موعد الإفطار، تبدأ طنجة في استعادة حركتها تدريجيا بعد ساعات من الهدوء، قبل أن تنقلب الصورة تماما مع دوي المدفع معلنا نهاية الصيام، إذ مباشرة بعد تناول وجبة الإفطار يتجه المصلون نحو المساجد لأداء صلاة التراويح، بينما تبدأ المدينة في الانفتاح على إيقاع ليلي مختلف، حيث تمتلئ المقاهي الراقية الممتدة على الكورنيش المطل على البحر بالعائلات التي اعتادت اللقاء للسمر وتبادل الأحاديث، وهي عادات توارثتها الأجيال منذ الاستعمار وتمسك بها الأبناء والأحفاد، بينما تستغل المطاعم هذه الفترة لتقديم قوائم رمضانية خاصة وتجارب جديدة لفن الطهي.
ليالي رمضان في طنجة لا تختزل فقط في أجواء التعبد والسهر العائلي بمقاهي الكورنيش، بل مع تقدم الليل، تفتح واجهة أخرى أبوابها للحياة الليلية المشتعلة، إذ تعمل عدة نوادي ومراقص على إعداد سهرات موسيقية تمتد إلى ساعات متأخرة، حيث تتحول هذه الفضاءات إلى ملاذ لعدد من الشباب الباحثين عن الترفيه بعد يوم طويل من الصيام. فهناك تتعالى أنغام الموسيقى وتنتشر جلسات الشيشة، فيما يختار آخرون قضاء السهرة في أجواء لا تخلو أحيانا من تجاوزات تلامس حدود الممنوع.
وبين هذه الأجواء المتباينة، تتجلى إحدى مفارقات رمضان في طنجة، حيث تتجاور مظاهر التعبد مع أنماط سهر ليلية مختلفة، في صورة تعكس طبيعة مدينة تعدد وجوهها وخصوصية الإيقاع الذي تعيش به طيلة هذا الشهر الفضيل.
