أفاد تقرير اقتصادي حديث بأن المغرب دخل مرحلة مفصلية في مسار تطوره الاقتصادي، بعد نجاحه في تجاوز عتبة حاسمة في نموذج نموه، ما يضعه، وفق تقديرات دولية، على مسار تحقيق معدلات نمو تفوق نظيرتها في إسبانيا خلال السنوات المقبلة، في ظل تحول تدريجي نحو اقتصاد صناعي أكثر تنوعاً وقدرة على خلق القيمة.
وبحسب تقرير نشرته صحيفة El Economista الإسبانية المتخصصة في الاقتصاد، فإن المغرب يواصل ترسيخ انتقاله إلى نموذج اقتصادي جديد قائم على التصنيع والتصدير، مدعوما بتوقعات صندوق النقد الدولي التي ترجح الحفاظ على وتيرة نمو تفوق 4 في المائة للاقتصاد الوطني، مقابل حوالي 2 في المائة للاقتصاد الإسباني، وهو فارق يُتوقع أن يستمر إلى غاية سنة 2031.
ويعكس هذا التحول، وفق المصدر ذاته، تغيرا بنيويا في هيكلة الاقتصاد المغربي، حيث أصبحت صادرات قطاع السيارات تحقق مداخيل تفوق تلك المرتبطة بالفوسفاط، الذي ظل لعقود أحد الأعمدة الأساسية للاقتصاد الوطني، في مؤشر على انتقال المملكة نحو أنشطة صناعية ذات قيمة مضافة أعلى وأكثر تنافسية.
ويستند هذا المسار إلى مجموعة من العوامل المتداخلة، من بينها الاستثمارات المستمرة في البنيات التحتية، وانتعاش قطاع السياحة، وتنامي الصادرات، إضافة إلى تحسن إنتاجية القطاع الفلاحي، فضلاً عن الدينامية القوية التي يشهدها قطاع صناعة السيارات، الذي أصبح أحد أبرز محركات النمو في البلاد.
وفي هذا السياق، يبرز المغرب كأحد أهم الأقطاب الصناعية في حوض البحر الأبيض المتوسط، بعد نجاحه في استقطاب استثمارات كبرى لشركات دولية من بينها Renault وStellantis، إلى جانب فاعلين جدد في مجال مكونات السيارات الكهربائية، ما ساهم في بناء منظومة صناعية متكاملة قائمة على شبكة واسعة من الموردين والمناولين.
وتشير معطيات الصحيفة الإسبانية إلى أن المغرب بات يحتل موقعا متقدما على مستوى القارة الإفريقية في صناعة السيارات، بطاقة إنتاجية تقارب 960 ألف مركبة سنويا، مع بنية صناعية تضم أكثر من 270 موردا موزعين على عدة جهات، وهو ما يعكس تقدماً ملموساً في توطين سلاسل الإنتاج.
كما تكشف الأرقام أن صادرات قطاع السيارات ومكوناته بلغت حوالي 14,1 مليار دولار خلال سنة 2023، مع توجيه أكثر من 75 في المائة من الإنتاج نحو الأسواق الخارجية، خاصة الأوروبية، ما جعل المغرب أحد أبرز مصدري السيارات إلى هذه السوق، في منافسة متزايدة مع قوى صناعية تقليدية.
وفي ما يتعلق بالإنتاج، تفيد بيانات الرابطة الدولية لمصنعي السيارات (OICA) بأن المغرب أنتج أكثر من 559 ألف سيارة سنة 2024، وهو مستوى يضعه في موقع متقدم مقارنة بعدد من الدول الأوروبية، رغم استمرار الفارق مع كبار المنتجين مثل ألمانيا وإسبانيا وفرنسا.
ويرى التقرير أن هذا التطور يعكس توجهاً استراتيجياً يهدف إلى مضاعفة القدرة الإنتاجية لتصل إلى نحو مليوني سيارة سنوياً في أفق 2030، مع رفع نسبة الإدماج المحلي إلى 80 في المائة، وتعزيز استخدام الطاقات المتجددة في العمليات الصناعية، انسجاماً مع التحولات العالمية نحو الاقتصاد الأخضر.
وبالتوازي مع هذا التحول الصناعي، يواصل المغرب تنفيذ إصلاحات هيكلية واسعة في إطار النموذج التنموي الجديد، تشمل قطاعات التعليم والصحة والحكامة، بهدف تحسين جودة الرأسمال البشري وتعزيز فعالية السياسات العمومية، إلى جانب تقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية.
واستنادا إلى تقارير صندوق النقد الدولي، أشار المصدر ذاته إلى تحسن ملحوظ في المؤشرات الاجتماعية، حيث تراجعت نسبة الفقر متعدد الأبعاد إلى 6,8 في المائة سنة 2024، مقابل 11,9 في المائة سنة 2014، في ظل سياسات اقتصادية واجتماعية وُصفت بالمتماسكة، ساهمت في تعزيز الاستقرار الماكرو-اقتصادي وتحسين مستوى العيش.
