ذكرى معركة وادي المخازن.. استحضار لبطولات الشعب المغربي في تصديه للأطماع الخارجية

ذكرى معركة وادي المخازن.. استحضار لبطولات الشعب المغربي في تصديه للأطماع الخارجية

4 أغسطس, 2018

يخلد الشعب المغربي ومعه أسرة المقاومة وجيش التحرير، اليوم السبت 04 غشت، الذكرى 440 لمعركة وادي المخازن المجيدة التي جسدت أروع صور الصمود والبطولة من أجل الدفاع عن حوزة الوطن وإعلاء راية الإسلام ومواجهة التحدي الصليبي.

وقعت معركة وادي المخازن في ظروف إقليمية ودولية دقيقة تميزت بدخول العثمانيين في سلسلة من المواجهات العسكرية مع القوى الاستعمارية الأوروبية، وتنامي الأطماع الأجنبية للتحكم في أوضاع الشمال الإفريقي وخاصة الدولة المغربية، بهدف استغلال المراسي والموانئ الأطلسية ومرسى العرائش بوجه خاص.

وشكل مرسى العرائش الذريعة التي استخدمها البرتغاليون لتبرير حملتهم العسكرية على المغرب، بدعوى أن الأتراك كانوا عازمين على احتلالها مهما كان الثمن، وقد علق أحد المؤرخين الإسبان على أهمية ميناء العرائش بأنه يعادل سائر الموانئ المغربية.

وفي حمأة الأطمـاع الخارجيـة على المغـرب نهج السلطان عبد المالك السعدي خطا استراتيجيا متوازنا بذكائه المتقد وبحنكته السياسية وبفهمه الدقيق للظرفيـة الوطنية ولنوايا الأطراف الأوروبية وبمعرفته اليقظة بمخططات القوى الدولية العظمى في منتصف القرن السادس عشر، فاستطاع المغرب الحفاظ على استقلاله وسيادته، غير أن ملك البرتغال ركب أطماعه مغامرا في حملة عدوانية غير محسوبة العواقب لبسط نفوذه والهيمنة على الكيان المغربي الحر المستقل والقوي.

واستعان السلطان عبد المالك السعدي في الإعداد للمعركة بإدراكه وبحسه السياسي، وفطن منذ البداية لأهمية عامل الزمن بالنسبة للمغاربة. وهكـذا، نجده يكاتب “دون سبستيان” ويعرض عليه السلام والتفاوض لربح الوقت والاستعداد للمواجهة المحتملة. وعندما تحرك “دون سبستيان” ووصلت جيوشه إلى منطقة طنجة أصيلة، كاتبه السلطان عبد المالك السعدي بغير أسلوبه العادي، وبما يؤدي إلى جر جيوش “دون سبستيان” إلى معترك اختاره عبد المالك بكل عناية، ألا وهو سهل وادي المخازن. ومما جاء في رسالته الموجهة إليه: “إن سطوتك قد ظهرت في خروجك من أرضك وجوازك العدوة، فإن تبثت إلى أن نقدم عليك، فأنت نصراني حقيقي شجاع …”.

وأورد بعض المؤرخين قول عبد المالك السعدي:”إني رحلت إليك ست عشرة رحلة، أما ترحل إلي واحدة !”. وفعلا، استطاع السلطان عبد المالك السعدي أن يجر الجيش البرتغالي إلى سهل وادي المخازن، مما كان له أكبر الأثر في تحديد مصير المعركة قبل أن تقع. وكانت القوات البرتغالية التي عبرت إلى المغرب تضم أسطولا يفوق عدد وحداته 500 قطعة بحرية تقل على متنها جيشا نظاميا وكثيرا من المرتزقة، والحشود الحليفة الداعمة، فضلا عن وضع الملك الاسباني رهن إشارة ملك البرتغال وحدات بحرية أخرى انضمت إلى الجيش البرتغالي.

 ولما بدأت الجيوش الغازية تتوغل شيئا فشيئا بعيدا عن ميناء العرائش، برهن المغاربة على ذكائهم عندما استدرجوا الجنود وتركوهم يتسربون إلى أن عبروا وادي المخازن واستقروا في السهل الموجود على يمين نهر اللكوس. وفي يوم الاثنين 4 غشت 1578، دارت معركة حامية الوطيس بوادي المخازن في منطقة السواكن بعد أن حطم المغاربة جسر النهر للحيلولة دون تراجع القوات الغازية نحو ميناء العرائش، ومني البرتغاليـون بخسـارة جسيمة حيث قتل ملكهم، والملك المخلوع محمد المتوكل. كما توفي السلطان عبد المالك السعدي إبان المعركة بسبب تسمم تعرض له من الأعداء.

وأخفى خلفه السلطان أحمد المنصور الذهبي نبأ وفاته ليواصل تدبير وقيادة المعركة التي اصطلح على تسميتها بمعركة الملوك الثلاثة والتي أكسبت المغرب مجدا تليدا، وحقق فيها المغاربة نصرا مبينا زاد من هيبة المغرب ومكانته في إفريقيا وحوض البحر الأبيض المتوسط، وظلت مبعث اعتزاز وشرف له كدار للإسلام والسلام والأمن وكيان وطني مهاب الجانب يحتمي به المسلمون كافة ويحظى بتقدير واحترام سائر أقطار المعمور.

ويعتبر تخليد هذه الذكرى المجيدة والإحتفاء بأبطالها ورموزها الأفذاذ، بمثابة استلهام للدروس والعبر من الأبعاد الرمزية والدلالات العميقة لهذا الحدث الوطني الشامخ الذي ما أحوج الناشئة والأجيال الجديدة إلى استيعاب مضامينه ودلالاته حتى تتربى وتشب على القيم الوطنية النبيلة، وتتشبع بشمائل وفضيلة المواطنة الايجابية والسلوك المدني القويم، لأن في ذلك تحصينا للناشئة وتمنيعا لها من انعكاسات التحديات والتداعيات التي يشهدها العالم اليوم أكثر من ذي قبل، والتي تهدد كيان الشعوب وتحيق بموروثها الحضاري والثقافي والنضالي والقيمي.

كما أن هذا التخليذ يتوخى استحضار بطولات ملحمة التحرير والوحدة، والإشادة بأمجادها وروائعها ورموزها وأبطالها وتنوير أذهان الناشئة والأجيال الجديدة والمتعاقبة بدروسها وعبرها تحصينا لها في مسيرات المغرب الظافرة، دفاعا عن مقدساته الدينية وثوابته الوطنية ومقوماته التاريخية والحضارية، وتطلعا إلى انجاز المشروع المجتمعي الحداثي والديمقراطي والنهضوي والتنموي الذي يقوده ويرعاه صاحب الجلالة الملك محمد السادس، بعزم واقتدار وتبصر وبعد نظر لمواصلة إعلاء صروح الوطن القوي والمتقدم والمعتز بأمجاده التاريخية وروائعه النضالية.

وقد اغتنمت المندوبية السامية للمقاومة وقدماء جيش التحرير، في بيان لها، هذه المناسبة الخالدة، للتعبير عن موقفها الثابت من القضية الوطنية الأولى، قضية الوحدة الترابية المقدسة، مجددة ومؤكدة تعبئتها المستمرة ويقظتها الموصولة كسائر فئات وأطياف المجتمع المغربي، وراء قائد البلاد المفدى من أجل صيانة الوحدة الترابية وتثبيت المكاسب الوطنية، وإنهاء النزاع المفتعل حول أحقية المغرب على ترابه الوطني من طنجة إلى الكويرة.

وأضابيان المندوبية أن الخطــاب السامي الذي ألقاه صاحــب الجلالـة الملـك محمد السادس بمناسبـة الذكرى 19 لعيد العرش المجيد في 29 يوليوز 2018، جسد خارطة طريق لمستقبل مغرب متضامن موحد، قوي البنيان ومتماسك الأركان، وتجميع الإمكانات المتاحة والمتوفرة وإنجاح البرامج التنموية الداعمة للاقتصاد الوطني والواعدة بالرفاه الاجتماعي، وفق رؤية استراتيجية واضحة ومحددة المعالم، تنعكس إيجابا على أوسع الفئات والشرائح السوسيو-مهنية والمجالية بما يحقق مجتمع التكافل والتضامن وتكافؤ الفرص والعدالة الاجتماعية.

التعليقات

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*