مع حلول شهر رمضان، يشهد كثير من الناس ما يعرف شعبيا في المغرب بالـ”ترمضينة”، أي حالة العصبية أو تقلب المزاج التي تظهر عند البعض خلال الصيام، ويعتقد الكثيرون أن هذه الظاهرة ناتجة ببساطة عن الجوع أو العطش، لكن الدراسات العلمية والخبراء النفسيون يؤكدون أن الأمر أكثر تعقيداً من ذلك بكثير.
وفي هذا الصدد، أوضحت الدكتورة خنساء اليوسفي، المختصة في الطب النفسي وعلاج الإدمان، في تصريح ادلت به ل”ميدي ان تيفي، أن العصبية في رمضان غالبا ما تكون نتيجة اضطرابات النوم وتغير الساعة البيولوجية للجسم، وليس الجوع وحده، فعادة ما يضطر الصائم إلى تغيير مواعيد نومه للاستيقاظ قبل الفجر لتناول السحور، أو للسهر بعد الإفطار للقيام بالعبادات والأنشطة اليومية. هذا التغير المستمر في نمط النوم يؤثر مباشرة على توازن الجسم والدماغ، ويزيد من احتمال الشعور بالتوتر والقلق، وهو ما يفسر زيادة العصبية خلال النهار.
تؤكد الطبيبة اليوسفي أن الحصول على قسط كاف من النوم والراحة يمثل مفتاحا أساسيا للحفاظ على استقرار المزاج والتركيز أثناء الصيام، فعندما يعاني الجسم من نقص النوم، تتأثر الوظائف العصبية والإدراكية، ما يجعل الصائم أكثر عرضة للتوتر والانفعال، حتى في المواقف البسيطة، لذلك، من المهم إعادة تنظيم ساعات النوم، مع محاولة أخذ قيلولة قصيرة بعد الظهر إذا أمكن، للحفاظ على التوازن النفسي والجسدي خلال الشهر الفضيل.
ورغم أن العصبية قد تبدو سلبية، إلا أن رمضان يشكل فرصة فريدة للتقرب الروحي وممارسة ضبط النفس، وهو ما يساهم بدوره في تحسين التحكم بالمزاج على المدى الطويل، كما يشير الخبراء إلى أن الصيام، عند تنظيمه بشكل صحيح، يمكن أن يكون فرصة لتعزيز الصحة النفسية والبدنية، إذ يعيد للجسم توازنه الطبيعي ويتيح للعقل فترة للتأمل وإعادة التقدير للروتين اليومي.
ولتجنب العصبية المفرطة في رمضان، تنصح الطبيبة اليوسفي باتباع عدة استراتيجيات:
تنظيم النوم، مع الحرص على النوم ليلا بما يكفي، والاستفادة من القيلولة القصيرة خلال النهار لتعويض النقص، والتغذية المتوازنة، تناول وجبات السحور والإفطار بشكل متوازن، مع التركيز على البروتينات والألياف والدهون الصحية التي تساعد على استقرار مستويات السكر في الدم. والترطيب المستمر تعويض فقدان السوائل خلال النهار بشرب كمية كافية من الماء عند الإفطار وحتى قبل السحور، مع إدارة التوتر عن طريق ممارسة تقنيات الاسترخاء مثل التنفس العميق، التأمل، أو بعض التمارين الخفيفة بعد الإفطار لتقليل التوتر النفسي والجسدي.
إن الترمضينة ليست مجرد مزاجية عابرة أو نتيجة الجوع، بل هي انعكاس لكيفية تعامل الجسم مع التغيرات في النوم والغذاء والنشاط اليومي خلال الصيام. وفهم هذه الأسباب يمنح الصائمين القدرة على التحكم بمشاعرهم وتقليل العصبية، وتحويل رمضان إلى فرصة لتحسين الصحة النفسية والجسدية على حد سواء.
وبهذا المعنى، يصبح الصيام تجربة متكاملة، تجمع بين البعد الروحي والبعد الصحي والنفسي، ليكون الشهر الفضيل ليس فقط وقتا للتقرب إلى الله، بل أيضا فترة لإعادة ضبط الجسم والعقل، وتحقيق التوازن النفسي والاستعداد لمواصلة الحياة اليومية بشكل أفضل بعد انتهائه.
