عالم تهريب المخدرات بشمال المغرب يختزن كما هائلا من القصص الغريبة والمغامرات الهوليودية المشوقة، بعدما تحول عبر العقود الماضية من نشاط زراعي تقليدي يقتات منه الناس أرزاقهم، إلى اقتصاد مواز شديد التنظيم يشتغل خارج القانون، ويدر مليارات الدولارات على الشبكات المتاجرة فيه، إذ رغم أن الدولة قننت هذه الزراعة لإدماجها في إطار اقتصادي مراقب ومهيكل، مازالت الشبكات الإجرامية تعمل في الخفاء، معتمدة على مسارات خاصة وشبكات لوجستيكية تعمل بين السواحل المغربية والإسبانية، عبر استخدام وسائل أكثر احترافية وتقنيات خداع تمكنهم من تهريب بضاعتهم نحو الأراضي الأوربية.
ورغم تسلح الأجهزة الأمنية والجمركية، سواء المغربية أو الاسبانية، بأحدث وسائل المراقبة الأرضية والبحرية والجوية، وتشديد الخناق على المعابر والنقاط الحساسة، تواصل هذه الشبكات ابتكار حيل جديدة وتقنيات متقدمة لا يتقبلها عقل، إذ مع كل عملية إحباط تظهر أساليب أكثر جرأة واحترافية تمكنها من تجاوز كل الحواجز والمعيقات، ما ينبئ أن السباق سيظل مفتوحا بين المهربين والسلطات، ولن يعرف نهاية قريبة.
الطرق البرية أولا
بدأ تهريب المخدرات بين شمال المغرب وإسبانيا عبر الطرق البرية، حين كانت السيارات الخفيفة وشاحنات النقل الدولي الوسيلة الأساسية قبل عقود. واعتمد المهربون آنذاك على حِيل دقيقة مثل “الدوبل فوند” وتجهيز تجاويف سرية داخل الهياكل السفلية، أو إخفاء الشحنات وسط قطع الغيار والخضر والفواكه الموجهة للتصدير. وتحولت ورشات بطنجة وتطوان والعرائش إلى فضاءات لتفكيك هياكل السيارات والشاحنات وإعادة تركيبها بطرق لا تثير الشبهات، إلا أنه مع تشديد المراقبة الجمركية واعتماد أجهزة المسح الضوئي، ضاق هامش المناورة أمام الشبكات، ما دفعها إلى البحث عن مسارات بديلة أكثر جرأة وخطورة.
زوارق نفاثة تتحدى الرادارات
مع تضييق الخناق على المسارات البرية، انتقل المهربون إلى البحر الذي أصبح، مطلع الألفينيات، المسرح المفضل لعمليات التهريب نحو الجنوب الإسباني. وبرزت حينها الزوارق النفاثة المعروفة بـ”الفانتوم”، بسرعتها الكبيرة وقدرتها على المناورة ليلاً وفي ظروف مناخية صعبة. وكان يقودها ربابنة محترفون يجيدون قراءة التيارات وتحديد المسارات التي تمكنهم من الوصول السريع إلى سواحل قاديس ومالقة وهويلفا. ورغم المراقبة البحرية المشتركة بين المغرب وإسبانيا، ظلت هذه الوسائط لسنوات تشكل تحدياً حقيقياً بفضل سرعتها التي تفوق قدرة المطاردات على ملاحقتها، قبل أن يتراجع هذا الأسلوب تدريجياً مع دخول تقنيات رصد أحدث وتشديد المراقبة على مضيق جبل طارق.
طائرات خفيفة تخترق الأجواء
لم يتوقف تطور شبكات التهريب عند البحر، إذ سرعان ما لجأت بعض التنظيمات إلى الطائرات الخفيفة التي أتاحت لها تجاوز المراقبة البحرية والوصول بسرعة إلى مناطق نائية في الجنوب الإسباني. واعتمد المهربون طائرات صغيرة بمحركات شبه صامتة ومسارات طيران منخفضة لتفادي رادارات الحرس المدني. وكانت تقلع غالباً من مسالك ترابية معزولة بضواحي طنجة والعرائش والريف، قبل أن تسقط حمولاتها في نقاط يتولى شركاء إسبان جمعها. ومع تعزيز الرصد الجوي وتشديد المراقبة على الأجواء القريبة من المضيق، تراجع هذا الأسلوب تدريجياً، لكنه مهد لمرحلة جديدة أكثر تطوراً في وسائل العبور.
درونات تتخطى الحصار
مع تشديد المراقبة على مضيق جبل طارق ودخول تقنيات الرصد الحراري والرادارات الحديثة، لجأت شبكات التهريب إلى الطائرات المسيرة كوسيلة أكثر مراوغة. وبدأت هذه الدرونات، التي لا يتجاوز وزن بعضها بضعة كيلوغرامات، تمناطق ستخدم لنقل شحنات صغيرة نحو هويلفا وقاديس عبر رحلات قصيرة ومنخفضة الارتفاع لا تثير الانتباه. وطورت الشبكات تجهيزاتها بشكل لافت، من خلال درونات احترافية مزودة بأنظمة GPS دقيقة، قادرة على الطيران الليلي قرب سطح الماء، ما يجعل رصدها بالغ الصعوبة. وتلجأ بعض التنظيمات إلى إطلاق درونات “طعم” لتشتيت المراقبة قبل إرسال طائرة حقيقية محملة بالبضاعة، إذ رغم إحباط عدد من المحاولات، يبقى هذا الأسلوب تحديا متواصلا بفعل سرعة تطوره.
تعاون أمني اسباني مغربي محكم
أمام هذا التطور المثير في أساليب التهريب، كثفت السلطات الأمنية المغربية والإسبانية من تعاونها الميداني والاستخباراتي، لتعزيز قدرتها على مواجهة الشبكات العابرة للحدود التي باتت تعتمد على التكنولوجيا الحديثة ووسائل المراوغة الجوية، إذ لم يعد التنسيق بين الطرفين مقتصرا على تبادل المعلومات التقليدية، بل تطور ليشمل عمليات مشتركة على الأرض والبحر والجو، ومشاركة فورية للمعطيات التقنية المتعلقة بمسارات الطائرات المسيرة وحركة الشبكات المنظمة على ضفتي المتوسط.
ومكن هذا التعاون، خلال الأشهر الماضية، من إسقاط واحدة من أكثر الشبكات تطورا، بعدما تبين أنها تعتمد أسطولا من الدرونات محلية الصنع لنقل شحنات من الحشيش بشكل يومي بين شمال المغرب والجنوب الإسباني.
وحسب معطيات نشرها الحرس المدني الإسباني، فإن هذه الشبكة كانت تستخدم كل ليلة ما بين ثماني وعشر طائرات مسيرة، بطاقة نقل تقارب 200 كيلوغرام، وتقوم بإسقاط حمولتها في مناطق ريفية قرب مدينة طريفة و”فيخير دي لا فرونتيرا”، حيث يتولاها شركاء محليون. كما أوضح أن الطائرات المستخدمة تعتمد على هياكل خفيفة وتجهيزات إلكترونية بدائية، لكنها فعالة في التحليق المنخفض وتفادي الرادارات، ما جعل رصدها بالغ الصعوبة رغم الإمكانيات التقنية المتقدمة لدى الجانبين.
مسؤول مغربي: “التعاون ضرورة ملحة
وأكد مسؤول أمني مغربي أن التطور السريع في أساليب التهريب، خصوصا استعمال الطائرات المسيرة، فرض مقاربة أمنية جديدة تقوم على اليقظة التقنية وتحيين وسائل الرصد، موضحا أن الشبكات أصبحت تستغل التكنولوجيا بمرونة كبيرة، ما يستدعي تطويرا مستمرا للمنظومات الأمنية القادرة على تتبع التحركات في الزمن الحقيقي.
وأضاف أن التعاون المغربي–الإسباني أصبح اليوم “ضرورة ملحة” لمواجهة هذا النوع من الجرائم العابرة للحدود، مشيرا إلى أن الأجهزة الأمنية في البلدين تنجح سنويا في إحباط عشرات المحاولات بفضل التنسيق الاستخباراتي. وختم قائلا إن المواجهة ستظل مفتوحة، لكن قدراتنا تتطور بالوتيرة نفسها التي تتطور بها أساليب التهريب، وهو ما يمنحنا أفضلية في حماية السواحل وإحباط أخطر المحاولات قبل وصولها إلى مرحلة الخطر”.
المختار الرمشي (الصباح)
